26.10.2026

حاضرة لكنها صامتة: ثلاثون عاماً لليبيا على طاولة المناخ العالمية

منذ عام 1995، يجتمع العالم كل عام لمواجهة تغير المناخ. كانت ليبيا في القاعة — ونادراً ما تكلّمت. هذه قصة كيف تغيّر ذلك، والخطوة الناقصة التي لا تزال تبقيها خارج اتفاق باريس.

تخيّل اجتماعاً يُعقد كل عام، طوال ثلاثين عاماً، لتقرير مستقبل مناخ الكوكب.

ثم تخيّل بلداً تزداد حرارته بضعف سرعة الآخرين، ويعتمد على مياه لا يمكن تعويضها، وتضرب مدنَه فيضاناتٌ قاتلة بشكل متزايد.

ستتوقع أن يكون هذا البلد من أعلى الأصوات في القاعة.

لكن طوال معظم تلك السنوات الثلاثين، لم تقل ليبيا شيئاً تقريباً.

اجتماع المناخ العالمي في دقيقة واحدة

منذ عام 1995، تجتمع الحكومات كل عام في مؤتمر للأمم المتحدة يُسمّى مؤتمر الأطراف (COP). و"الأطراف" هي الدول الموقّعة على اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ: معاهدة عام 1992 التي اتفقت فيها كل دول العالم تقريباً على التعاون لمواجهة تغير المناخ.

وفي عام 2015، في مؤتمر الأطراف الحادي والعشرين في باريس، أضافت الدول اتفاق باريس. ووعدت كل دولة فيه بوضع أهدافها المناخية الخاصة، وتحديثها بانتظام، والإبلاغ عن تقدّمها.

وفي نوفمبر الجاري، يُعقد مؤتمر الأطراف الحادي والثلاثون في أنطاليا بتركيا. وستكون ليبيا حاضرة. لكنها، كما سترى، لن تكون عضواً كاملاً في كل ما يُناقش هناك.

لماذا الصمت؟

قليلة هي الدول التي لديها ما تخسره من تغير المناخ بقدر ليبيا. فهي تنتج أقل من 0.2% من غازات الدفيئة في العالم، ومع ذلك فهي من أكثر الدول تعرضاً للحرارة والجفاف والفيضانات.

فلماذا الصمت إذن؟ هناك سببان.

السبب الأول كان المال! تمتلك ليبيا أكبر احتياطي نفطي مؤكد في أفريقيا — نحو 48 مليار برميل، أي أقل قليلاً من 3% من الإجمالي العالمي. ويوفّر النفط والغاز أكثر من 95% من عائدات صادراتها ومعظم دخل الدولة. وبالنسبة لحكومات تعتمد على النفط، بدت المفاوضات العالمية حول حرق كميات أقل منه تهديداً للإيرادات — لا درعاً لحماية شعوبها. ولسنوات، اكتفت ليبيا باتباع خط الدول المصدّرة للنفط.

والثاني كان الصراع. بعد عام 2011، انقسمت البلاد بين سلطات متنافسة في الغرب والشرق. وانقسمت الوزارات. وهبط تغير المناخ إلى أسفل قائمة الأولويات.

انضمت ليبيا إلى معاهدة المناخ الأممية عام 1999 — ثم لم ترسل إلى الأمم المتحدة تقريراً واحداً عن انبعاثاتها طوال 26 عاماً.

أنّ أوضح دليل على مدى تهميش قضية المناخ يكمن في أمر لم يحدث قط. فمن المفترض أن تُرسل الدول الأعضاء في معاهدة المناخ تقريراً دورياً إلى الأمم المتحدة يتناول انبعاثاتها وخططها للتعامل معها؛ وقد انضمت ليبيا إلى المعاهدة في عام 1999، لكنها لم تُنجز تقريرها الأول إلا في عام 2025.

توقيع، وتصويت — وورقة ناقصة

في 22 أبريل 2016، وقّعت ليبيا على اتفاق باريس في حفل أُقيم في نيويورك.

لكن هناك أمراً لا يدركه كثيرون: توقيع معاهدة لا يجعلك عضواً فيها. فهو إعلان نية. وللانضمام فعلاً، على الدولة أن تصادق عليها — أي أن توافق عليها داخلياً، ثم تودع رسمياً وثيقة لدى الأمم المتحدة.

وفي أغسطس 2021، صوّت مجلس النواب الليبي بالموافقة على التصديق. ورحّب الاتحاد الأوروبي علناً بالقرار.

ثم… لا شيء. فالوثيقة الرسمية لم تُودع قط في نيويورك.

واليوم، لا توجد في العالم سوى ثلاث دول وقّعت على اتفاق باريس دون أن تصادق عليه: إيران، واليمن — وليبيا.

الليلة التي غيّرت النقاش

في سبتمبر 2023، قتلت العاصفة دانيال وانهيار سدّين آلاف الأشخاص في مدينة درنة في ليلة واحدة.

وبعد أسابيع قليلة، في مؤتمر الأطراف في دبي، أطلقت الدول صندوقاً جديداً للخسائر والأضرار لمساعدة الدول الضعيفة على التعافي من الكوارث المناخية. وبعد درنة، لم يعد اهتمام ليبيا نظرياً — بل صار مؤلماً وشخصياً. ولأن الصندوق يخدم كل الأعضاء النامين في معاهدة المناخ الأممية، تستطيع ليبيا التقدّم إليه حتى دون أن تصادق على اتفاق باريس.

لقد تغيّر شيء ما. كانت ليبيا قد أنشأت اللجنة الوطنية لتغير المناخ عام 2021. وفي عام 2023 أضافت مكتباً تنفيذياً لإدارة العمل الفني. ثم، في أقل من ثلاث سنوات، أنجزت ما لم تنجزه في ربع قرن.

ثلاث خطط في ثلاث سنوات

بمساعدة الاتحاد الأوروبي وألمانيا وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، كتبت ليبيا أولى وثائقها المناخية الثلاث:

  • البلاغ الوطني الأول (2025): أول تقرير شامل تقدّمه ليبيا إلى الأمم المتحدة عن وضعها المناخي. يحصي الانبعاثات ويحدد أين تتعرض البلاد لأكبر الأخطار.

  • الخطة الوطنية للتكيف (2025): خطة التعامل مع الآثار التي لم يعد من الممكن تجنبها — الحرارة والجفاف والفيضانات.

  • المساهمة المحددة وطنياً (2026): تعهد ليبيا بموجب اتفاق باريس: ما ستفعله لخفض الانبعاثات والتكيف بحلول عام 2035، وكم سيكلّف ذلك.

 

وفي 7 يوليو 2026، اعتمدها رئيس الوزراء وأطلق الوثائق الثلاث معاً بوصفها "الإطار الاستراتيجي للمناخ" في ليبيا.

من مندوب صامت إلى بلد يملك خطة — في ثلاث سنوات. وهذا إنجاز حقيقي.

المفارقة التي تحملها ليبيا إلى أنطاليا

هذا هو الوضع الغريب الذي تتوجه به ليبيا إلى مؤتمر الأطراف الحادي والثلاثين:

  • حكومتها اعتمدت مجموعة كاملة من الخطط المناخية المكتوبة بلغة اتفاق باريس.

  • وبرلمانها صوّت على الانضمام إلى ذلك الاتفاق قبل خمس سنوات.

  • ومع ذلك، لا تزال ليبيا غير عضو فيه.

 

ولهذه الفجوة عواقب حقيقية. ففي اجتماعات أنطاليا الخاصة بمعاهدة المناخ الأصلية، ليبيا عضو كامل. أما في اجتماع اتفاق باريس، فلا تستطيع إلا المراقبة. لا يمكنها المشاركة في القرارات — ولا استخدام أسواق الكربون التابعة لاتفاق باريس، وهي من المصادر الجديدة القليلة للأموال التي يمكن أن تموّل خططها.

الحكومة لديها الخطط. والبرلمان صوّت. ووثيقة رسمية واحدة في نيويورك هي كل ما يفصل ليبيا عن العضوية الكاملة.

ما الذي يمكن أن تفعله ليبيا في أنطاليا

إذا أرادت ليبيا أن تحضر بوصفها لاعباً جاداً، فهذه هي الخطوات الأهم:

  1. إيداع وثيقة التصديق والإعلان عن ذلك في أنطاليا. تبدأ العضوية بعد 30 يوماً من إيداع الوثيقة. ومن شأن ذلك أن يزيل أكبر شك لدى الجهات المموّلة بشأن خطط ليبيا.

  2. التحدث بوصفها دولة متوسطية. فقد ضربت العاصفة دانيال اليونان وليبيا في الأسبوع نفسه. ويمكن لليبيا أن تقود حواراً مع جيرانها حول العواصف والإنذار المبكر وسلامة السدود.

  3. تقديم مشاريع، لا قوائم أمنيات. فالجهات المموّلة تستجيب للمشاريع الجاهزة للتمويل: استغلال الغاز المهدور في حقول النفط، وأول محطة شمسية كبرى، ومراكز لترشيد المياه للمزارعين.

  4. تقديم ملف قوي للحصول على تمويلss الخسائر والأضرار — مبني على أدلة دامغة على ما كلّفته كارثة درنة.

  5. إشراك البلاد كلها. فمكان رؤساء بلديات المدن التي ضربتها الفيضانات، والناشطين الشباب في مجال المناخ، والمجموعات النسائية، هو داخل الوفد.

ليبيا ومفاوضات المناخ في لمحة

1999   ليبيا تنضم إلى معاهدة المناخ الأممية

26 عاماً  مدة الانتظار حتى أول تقرير مناخي إلى الأمم المتحدة

2016   ليبيا توقّع على اتفاق باريس

2021   البرلمان يصوّت بالموافقة على التصديق

3   دول وقّعت على اتفاق باريس ولم تصادق عليه: إيران واليمن وليبيا

في الحلقة القادمة — الجزء 3: خطة ليبيا المناخية بلغة واضحة

وعدت ليبيا بخفض "كثافة الكربون" بنسبة تصل إلى 49%. فماذا يعني ذلك فعلاً؟ من أين تأتي انبعاثات ليبيا، وكم سيكلّف خفضها — ومن يُنتظر أن يدفع؟ في الحلقة القادمة، نفتح الخطط ونشرحها بكلمات بسيطة.

هل ترغب بالمساهمة في هذه المدونة

شارك أفكارك مع فريقنا عبر البريد الإلكتروني

info.mena@fes.de