20.05.2026

مدونة :البعثة الأُممية في ليبيا بين منطق المؤسسية الليبرالية وتحديات إدارة الصراع .

منذ اندلاع الثورة في 2011، رافقت بعثةُ الأمم المتحدة للدعم مسارَ التغييرفي ليبيا، ساعيةً حسب بيانها إلى مساندة السلطات في مرحلة ما بعد النزاع وتعزيز الإنتقال السياسي في البلاد، وقد أدّت البعثة دوراً بارزاً في دعم وبناء العملية السياسية منذ ذلك الحين، ولعل رعايتها لإتفاق الصخيرات عام 2015، الذي غدا مرجعاً لكثير من المبادرات السياسية اللاحقة  يُعد من أبرز هذه المبادرات، غير أن تعثّر مخرجاتها وتحولها  إلى طرف في الصراع كل مرة ، عمّق الشكوك حول قدرة البعثة على فرض حلول مستدامة، ويضيف الي رصيدها  برأي الكثير من الليبيين فشل اخر في ظل استمرار الإنقسام السياسي والمؤسسي في البلاد.

 

منذ اندلاع الثورة في 2011، رافقت بعثةُ الأمم المتحدة للدعم مسارَ التغييرفي ليبيا، ساعيةً حسب بيانها إلى مساندة السلطات في مرحلة ما بعد النزاع وتعزيز الإنتقال السياسي في البلاد، وقد أدّت البعثة دوراً بارزاً في دعم وبناء العملية السياسية منذ ذلك الحين، ولعل رعايتها لإتفاق الصخيرات عام 2015، الذي غدا مرجعاً لكثير من المبادرات السياسية اللاحقة  يُعد من أبرز هذه المبادرات، غير أن تعثّر مخرجاتها وتحولها  إلى طرف في الصراع كل مرة ، عمّق الشكوك حول قدرة البعثة على فرض حلول مستدامة، ويضيف الي رصيدها  برأي الكثير من الليبيين فشل اخر في ظل استمرار الإنقسام السياسي والمؤسسي في البلاد.

وقد يبدو وصف جهود البعثة الأُممية بالفشل قاسيً بعض الشيئ، فمن جهة فأن المتسببين في حالة الانقسام السياسي هم غالباً اول من يطعن ويشكك في جهود البعثة وعملها، ومن جهة اخرى فأن الأمر يبدو اكثر تعقيداً من مجرد الحكم عليها ومن قبلها مؤسسة الأُمم المتحدة بالنجاح اوالفشل. فالمؤسسة ومنذ تأسيسها في 1945 تعمل وفق ما يُعرف بمنطق "المؤسسية الليبرالية"، التي تقوم على فكرة الإيمان بأن المؤسسات الدولية تُسهم في تنظيم سلوك الدول لتقليل الفوضى في النظام الدولي، عبر تعزيز التعاون بين الاطراف في وقت النزاعات، الأمر الذي جعلها مسؤولة منذ ذلك الحين على وضع قواعد ومعايير هذا المذهب المؤسسي، كالقانون الدولي وقوانين حقوق الإنسان والحرب والسلم وبروتوكلات الحماية في اوقات النزاع وما الي ذلك، كما توفر المؤسسة منصات للحوار والتفاوض كاجتماعات الجمعية العامة، ومجلس الأمن، ومجلس حقوق الانسان وغيرها ، لكنها وفي تجارب كثيرة اثبتت ان هذه "المؤسسية" لا يمكن ان تكون مثالية، وان ما تسعى اليه لا يتحقق في ظل خضوع قرارتها لمصالح الدول الكبرى المسيطرة على اذرعها التنفيذية ، وابرزها مجلس الأمن المتكون من خمس دول دائمة العضوية  تمتلك حقاً للنقض لا يمكن ايقافه، الامرالذي  يعكس منطق القوة أكثر من منطق التعاون داخل اركان هذه المؤسسة، وتزامناً مع التطورات التي تجتاح النظام الدولي مؤخراً فأن المؤسسة الأُممية والتي تستعد هذا العام لإختيار امينها العاشر،تواجه منذ الحرب على غزة وعودة الرئيس الامريكي دونالد ترامب تحديات عدة، تمثلت في إعادة بناء الثقة في فعالية مبدأ المؤسسية في النظام الدولي من خلال تعزيز دور وكالاتها وبعثاتها في ادارة الازمات.

تحولات في النظام الأممي لحفظ السلام 

من المهم الإشارة الي ان ميثاق الأمم المتحدة وضع في سياق يختلف بشكل كبيرعن السياقات التي تلت الحرب العالمية الثانية، ويمكن اعتباره مُصمماً أساسًا للحروب بين الدول كالمادة 39 التي تتحدث عن تهديدات "السلام الدولي"، وهذا مبرر نظراً لان الصراعات في الفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية كانت بنسبة كبيرة حروبًا بين دول تشترك فيها جيوش نظامية، الأمر الذي اختلف بعد العام 1945 وصولاً الي الحرب الباردة، فقد تميزت الصراعات في هذه الفترة بكونها داخليه وذات طابع محلي، وغالبًا ما كانت عبر وكلاء، لذلك لم تعد الأمم المتحدة ووكالاتها قادرةً على تبني عمليات سلام قائمة على النهج التقليدي في إدارة الازمات المعروف في ادبيات بناء السلام "بالجيل الاول في نهج حفظ السلام الدولي" ، مما استدعى المؤسسة الأُممية الي تطوير نهجها وتبني ماعرفه الأمين السابق بطرس غالي  بنهج "إنفاذ السلام" اي احتمالية استخدام القوة الصلبة التي لا تشترط موافقة الدول التي تمر بصراعات داخلية او احد اطرافها على التدخل الدولي طالما ان هذا التدخل يسعى لإحلال السلام، وهو ما عرف "بالجيل الثالث في نهج حفظ السلام"، و قد تجسد ذلك النهج في الفصل السابع من الميثاق الأُممي الذي اقره مجلس الامن والذي اتاح التدخل في الكويت ابان الغزو العراقي في 1990، وهو نفس الفصل الذي تخضع له ليبيا منذ 2011، وتجسد ايضاً في تبني المجلس لمبدأ "مسؤولية الحماية" عام 2005، الذي يتح التدخل بإعاز أُممي لحماية الشعوب حال تعرضها للعنف من قبل السلطة، وهي الحالة التي تدخلت فيها قوات دولية في ليبيا على رأسها الناتو، لكن مما لاشك فيه أن هذا التغيير في فلسفة وعمل الأمم المتحدة يظل مرهونًا بموافقة الدول العظمى، وهذه نقطة جوهرية في فهم حدود دورها .

من ناحية اخرى فأن النزاعات التي تتدخل فيها الامم المتحدة يمكن تقسيمها حسب تحليل النزاعات الي "نزاع تنسيق" او "نزاع تعاون"، تكون الاطراف في النوع الأول مفتقدة الي الإتفاق على "قواعد مشتركة" يتم التنسيق على أساسها، وتكون في النوع  الثاني مفتقدةً للتعاون نتيجة ان لكل طرف مصلحة في خرق الاتفاق لتحقيق مكاسب سريعة اوالحفاظ عليها، ورغم ان النزاع الليبي لا يمكن اختزاله في نوع واحد، إلا انه يميل في الأساس إلى " نزاع تعاون" نظراً لوجود إغراء دائم لكسر أي اتفاق من قبل احد الأطراف او جلهم ، فنجدها غالبًا ما تتوصل إلى اتفاق لتنسيق مشترك برعاية دولية، إلا ان هذه الاتفاقات كثيراً ما يتم خرقها، إما بسبب محاولة كل طرف تحسين موقعه العسكري أوالسياسي أو ربما لضعف الثقة المتبادلة، الي جانب غياب آليات إنفاذ قوية لما تم الاتفاق عليه  . ومن هنا نستنتج انه وبالإضافة الي هيمنة القوى العظمى على قرارت وادوار وكالات الأمم المتحدة ، فأن نوع النزاع وقدرة الأطراف الداخلية المتنازعة على خرق اي تسوية يجعل من التدخل الأُممي محدود التأثير، إذ تظل قدرته على فرض الالتزام مرهونة بتوازنات القوى على اختلافها .

الجمود السياسي في الحالة الليبية وهيمنة  القوى الكبرى

إن المطالبة بإيجاد حلول ناجعة للأزمة الليبية دون الأخذ بعين الإعتبار ما تمر به البعثة من تحديات تمثل اساساً التحديات التي تواجهها معظم الجهات القائمة على مبدأ "المؤسسية "، يبدو طرحًا يتجاهل تعقيدات السياق الليبي، فأبعاد مثل التدخلات الخارجية واستقطاب اطراف النزاع وأخفاقهم في العبور إلي مرحلة استقرار حقيقي لا تتحمل تبعاته بَعثة الأمم المتحدة وحدها ، ولكن اذ ما وضعنا هذه الأبعاد جانباً ونظرنا بعين التحليل لجهود البعثة الأُممية  في المدّة الأخيرة، فيمكن القول انه من الصعب اعتبار أداءها خلال تلك الفترة ناجحًا أو حتى متقدمًا بشكل ملموس، إذ تُظهر إحاطات ممثلتها السيدة هانا تيتيه المتتالية منذ اعلانها "خارطة الطريق" أغسطس الماضي، اعترافًا بحالة الجمود السياسي المستمرة، دون أن يقترن ذلك بإحراز نتائج حقيقية على الأرض، فرغم إطلاق الخارطة وما تبعها من مبادرات  كتشكيل لجنة استشارية واطلاق الحوار المهيكل فأن جهود البعثة لم تتجاوز حدود إدارة الأزمة بدلًا من حلّها، حيث تظل هذه المبادرات غير مُلزمة وفقًا لما أعلن عنه، ما يفقدها القدرة على إحداث اختراق فعلي في المشهد السياسي الليبي، وتؤكد الإحاطات المتعاقبة للسيدة تيتيه أن حالة الانسداد لا تزال قائمة فيما يتعلق بمسار الانتخابات الوطنية او توحيد المؤسسات، ما يعكس عجزًا واضحًا في تحويل المبادرات المطروحة إلى مسارات تنفيذية مُلزمة، وبذلك، تبدو البعثة وكأنها تدور في حلقة مفرغة، تُعيد إنتاج نفس الأدوات التي لم تفضِ سابقًا إلى نتائج، خاصة بعد اعلانها تبني مبادرة جديدة بأسم (4+4)، دون مراجعة جادة لجدوى مثل هذه المبادرات المتكررة  أولآليات فرضها. وفي هذا السياق، فإن دعم البعثة لمبادرات موازية ولو على مضض كمبادرة مبعوث الرئيس الأمريكي مسعد بولس التي نجحت في اتمام ما عجزت عنه البعثة فيما يتعلق بتوحيد الانفاق، لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الأوسع لعلاقة المؤسسات الدولية بإرادة القوى الكبرى، إذ يعكس هذا الدعم نوعًا من التماهي مع توجهات تلك القوى، ما يعزز تأثير قرارتها في الملف الليبي على حساب استقلالية القرار الأُممي، وهو ما يطرح تساؤلات عميقة حول مدى قدرة البعثة على القيام بدورها كوسيط يسعى إلى سلام يقوم على قوانين وأعراف دولية من المفترض ان تراعي مصالح المجتمع الليبي ككل، لا مصالح فئات محدودة أو أطراف مدعومة خارجيًا.

اخيراً، وعلى المدى القريب يمكن القول أن الحالة الليبية لم تعد تحتمل مقاربات "ناعمة" غير ملزمة، بل تتطلب نموذجًا أقرب إلى بناء سلام يمتلك أدوات الردع والإنفاذ، مع ربط أي عملية سياسية بآليات إلزام حقيقية، ام على المدى البعيد فإعادة الهيكلة وزيادة استقلالية المؤسسات الدولية وهيئات إنفاذ القانون على مستوى دولي يظل مطلوباً وبشدة، فالمنطق الاستراتيجي الذي تستند إليه آليات حفظ السلام وإنفاذه ضمن إطار "المؤسسية الليبرالية" يشير إلى إمكانية إحداث تأثير ايجابي على مسارات النزاع متى ما استُخدمت القدرات الدولية بفعالية في تعزيز فرص الاستقرار،غير أن هذا الأثر الإيجابي يعتمد على حُسن تصميم عمليات بناء السلام، وذلك بتبني مقاربة بعيدة عن الفهم الواقعي للسياسة العالمية الذي يدور حول قوة الدول ومصالحها على حساب التعاون، وبضمان قدر أكبر من تحرر اجهزة الانفاذ سيما مجلس الأمن من سيطرة القوى الكبرى، وذلك عبر الاستمرار في طرح الفكرة القديمة الجديدة حول إعادة هيكلة  مثل هذه الاجسام بما يعزز حياد وفعالية مؤسسة دولية كالأمم المتحدة وبعاثاتها  في خدمة الاستقرار العالمي.

 

 

المراجع التي بُنيت عليها المقالة : 

Grieco, Joseph M. 1988. "Anarchy and the Limits of Cooperation: A Realist Critique of the Newest LiberalInstitutionalism." The MIT Press. 

Sambanis, Michael W. Doyle and Nicholas. 2007. "The UN Record on Peacekeeping Operations." International Journal 494-518.

UNSMIL. 2026. Remarks of the Special Representative of the Secretary-General for Libya, Hanna S. Tetteh, to the Security Council on the situation in Libya. 04 22. Accessed 04 2026. unsmil.unmissions.org/en/speeches-and-statements/remarks-of-the-special-representative-of-the-secretary-general-for.

UNSMIL. 2026. Remarks of the Special Representative of the Secretary-General for Libya, Hanna S. Tetteh, to the Security Council on the situation in Libya. 02 18. Accessed 04 2026. unsmil.unmissions.org/en/speeches-and-statements/remarks-special-representative-secretary-general-libya-hanna-s-1.

—.UNSMIL 2025. Remarks of the Special Representative of the Secretary-General for Libya, Hanna S. Tetteh, to the Security Council on the situation in Libya. 12 19. Accessed 04 2026. unsmil.unmissions.org/en/speeches-and-statements/remarks-special-representative-secretary-general-libya-hanna-s-0.

—. UNSMIL 2025. Remarks of the Special Representative of the Secretary-General for Libya, Hanna S. Tetteh, to the Security Council on the situation in Libya. 10 14. Accessed 04 2026. unsmil.unmissions.org/en/speeches-and-statements/remarks-special-representative-secretary-general-libya-hanna-s.

المتحدة, الامم. 1945 . ميثاق الأمم المتحدة (النص الكامل). Accessed 04 2026. www.un.org/ar/about-us/un-charter/full-text.

 

 

 

 

هل ترغب بالمساهمة في هذه المدونة

شارك أفكارك مع فريقنا عبر البريد الإلكتروني

info.mena@fes.de