19.01.2026

الميزانية المراعية للنوع الاجتماعي: رافعة في خدمة الإنصاف والادماج في الجزائر

غالبًا ما تعطي الحكومات الأولوية للإنفاق العسكري في المناطق المتأثرة بالنزاعات و التي تعاني من انعدام الاستقرار مبررة ذلك بضرورة ضمان الأمن القومي، لا سيما في المناطق التي تعيش صراعات إقليمية مستمرة أو محتملة، هذا وتُعد الجزائر مثالا يجسد هذا التوجه حيث ما انفكت ميزانيتها العسكرية ترتفع باطراد.

 

الميزانية المراعية للنوع الاجتماعي: رافعة في خدمة الإنصاف والادماج في الجزائر

بقلم ياسمين مقديش

مقدمة: 

غالبًا ما تعطي الحكومات الأولوية للإنفاق العسكري في المناطق المتأثرة بالنزاعات و التي تعاني من انعدام الاستقرار مبررة ذلك بضرورة ضمان الأمن القومي، لا سيما في المناطق التي تعيش صراعات إقليمية مستمرة أو محتملة، هذا وتُعد الجزائر  مثالا يجسد هذا التوجه حيث ما انفكت ميزانيتها العسكرية ترتفع باطراد.

 

يأتي هذا التركيز المستمر على الجانب الدفاعي على حساب الخدمات الاجتماعية الأساسية، وهي خدمات حاسمة، من بين أمور أخرى، في مسار تعزيز المساواة بين الجنسين والاستقرار المجتمعي على المدى الطويل.نتيجة لذلك، ظلّت البرامج الحيوية التي تدعم الرعاية الصحية والتعليم والفرص الاقتصادية تعاني من افتقارها للتمويل الكافي، الشيء الذي أسهم في تفاقم التفاوتات القائمة. هذا وتتحمل النساء والمجتمعات المهمشة العبء الأكبر من هذه القرارات، حيث تكافح هذه الفئات من أجل الوصول إلى الخدمات الأساسية التي يمكن أن تحسن مستوى معيشتهم(1).

نظرًا لأن مقاومة الإصلاح تكون أكثر شدّة في المجتمعات الأبوية، تتقلّص نتيجة لذلك فرص التقدم الذي من شأنه تحقيق إنصاف حقيقي بين الجنسين. وتؤدي هذه المقاومة إلى احتمالية تجاهل الفئات السكانية الأكثر هشاشة والتي تعاني من نقص في الخدمات، فتجد نفسها في دائرة الإقصاء وغياب الأمن.

 

يُشكل الاقتصاد النسوي تحديا مفصليا بالنسبة لأولويات الدولة هذه وذلك من خلال النضال من أجل اقرار ميزانية مراعية للنوع الاجتماعي.  هذا وتفترض هذه المقاربة التحويلية إدماجا منهجيا لتحليل النوع الاجتماعي في إدارة المالية العامة لضمان أن تكون النفقات الحكومية ملبية لاحتياجات النساء والمجموعات المهمشة.

في سياقات مثل السياق الجزائري في فترة ما بعد النزاع، غالبًا ما تُغفل عمليات التعافي أهمية السياسات الاقتصادية المراعية للنوع الاجتماعي، مما يعمق في نهاية المطاف التمييز المنهجي. وكما تشير “ديان إلسون”، نادرًا ما يتم تقييم سياسات الاقتصاد الكلي، بما في ذلك قرارات الإنفاق العام، من خلال منظور النوع الاجتماع. وقد أدى هذا الإغفال إلى استبعاد احتياجات النساء من جهود إعادة الإعمار الاقتصادي، مما  أدى إلى افتقارهن إلى دعم كاف يخول لهن إعادة بناء حياتهن ومجتمعاتهن.

 

تضمن الميزانية المراعية للنوع الاجتماعي أن تعالج التخصيصات المالية بشكل مباشر تفاوتات الوصول إلى الموارد والتوظيف والحماية الاجتماعية. فمن خلال استهداف هذه التفاوتات، تعمل هذه الميزانية على مواجهة الحواجز المنهجية التي تقصي المجموعات المهمشة من امكانية الاستفادة من الفرص الاقتصادية والخدمات الأساسية(2).يُعدّ التعافي في رواندا بعد الإبادة الجماعية مثالاً بارزاً على نجاح الميزانية المراعية للنوع الاجتماعي في مرحلة ما بعد النزاع. يوضخ المثال الروندي كيف يؤدي دمج السياسات الاقتصادية المراعية للنوع الاجتماعي إلى ارتفاع مشاركة النساء في سوق الشغل وتحسين مؤشرات الرفاه الاجتماعي،  وهو ما يؤكد على أهمية اعتماد الاستراتيجيات الاقتصادية النسوية في سياقات ما بعد النزاع، كما يدل على دورها في كسر حلقات الإقصاء وعدم المساواة الهيكلية(3).

 

غالبًا ما يؤدي عدم الاستقرار الاقتصادي الناتج عن النزاع إلى تعطيل شبكات الأمان الاجتماعي التي تعتمد عليها النساء في فترة ما بعد النزاع. وعادة ما تعاني الخدمات العامة مثل الرعاية الصحية والتعليم والرعاية الاجتماعية، الضرورية لتعزيز المساواة بين الجنسين، من نقص حاد في التمويل أو يتم إلغاؤها في بعض الحالات. ويعكس هذا النقص في التمويل خلال فترة التعافي اتجاهًا أوسع لتقليل قيمة العمل غير مدفوع الأجر للمرأة ومساهماتها الحيوية في المجتمع. تواجه النساء، بالتوازي مع تدهور هذه الخدمات، إقصاءً اقتصاديًا متزايدًا يحدُّ من امكانية وصولهن إلى الاحتياجات الأساسية من تعليم وفرص عمل، الشيء الذي من شأنه ان يرسُخ حالة من عدم المساواة بين الجنسين(4). تستهدف المقاربة النسوية للتعافي الاقتصادي في فترة ما بعد النزاع معالجة الأسباب الجذرية لعدم المساواة هذه، بما في ذلك وصول النساء إلى ملكية الأراضي والممتلكات والائتمان، وهي عوامل رئيسية مُحددة في مسألة استقلاليتهن الاقتصادية . وكما تشدد على ذلك الباحثات النسويات مثل رانية كورة، فغالبًا ما يتم استبعاد هذه الرهانات الأساسية عندما لا يُدمج تحليل النوع الاجتماعي في صياغة السياسات .يُمَكن اعتماد تخطيط مالي مراعي للنوع الاجتماعي وميزانية مستجيبة للنوع الاجتماعي، الجكومات من تعزيز تعافٍ اقتصادي أكثر شمولاً واستدامة  تمنح الأولوية لاحتياجات النساء والمجموعات المهمشة(5).

 

الاقتصاد النسوي

يقدم الاقتصاد النسوي نقدا وتوسيعا لنطاق الاقتصاد التقليدي عبر تبيان كيف أن الجهد غير مدفوع الأجر وغير الربحي – وبخاصة مهام الرعاية والأعمال المنزلية – يشكل دعمًا أساسيًا للاقتصادات، و لكنه يبقى رغم ذلك مُغيبًا عن التحليل في النماذج التقليدية. وينقد مؤلف مارلين وارينغ، “لو يُقرئ للمرأة حساب”، بشكل منهجي نظام الأمم المتحدة للحسابات الوطنية نظرا لاستبعاده هذه المساهمات والموارد البيئية من المقاييس المعتمدة لاحتساب الناتج المحلي الإجمالي، مما يغير جذريا كيفية حساب الدخل القومي. وقد اعتُرف بالطابع التأسيسي للنقد الذي قدمته وارينغ، مما دفع إلى مراجعات معايير المحاسبة الاقتصادية وساهم في تشكل تخصص الاقتصاد النسوي(6).

 

يدمج الاقتصاد النسوي أيضًا التقاطعية، التي تسلط الضوء على كيفية تقاطع العرق والطبقة والنوع الاجتماعي لإفراز حقائق اقتصادية مختلفة، الأمر الذي يستدعي إعادة النظر في جدوى السياسات الكونية(7). ويؤكد الاقتصاد النسوي على الدور الحاسم لعمل الرعاية في الحفاظ على الاقتصادات، ويدعو إلى دعم مجتمعي ومؤسسي بعيدا عن التقييم السوقي. وترى الخبيرة الاقتصادية نانسي فولبر، على سبيل المثال، بأن الاستثمار الجماعي في الرعاية  وحده– خارج الهياكل السوقية البحتة – يمكن أن يخفف العبء غير المتناسب المفروض على النساء ويضمن توزيعًا عادلاً لمسؤوليات الرعاية . وقد توسع هذا المجال أيضًا ليشمل نقد الهياكل الرأسمالية، واقتراح نماذج اقتصاد كلي تتمحور حول الرعاية، واستكشاف نماذج بديلة، مثل التزويد الاجتماعي وأطر الاستدامة، كما جاء في دليل روتليدج للاقتصاد النسوي(8).

 

تُعد الميزانية المراعية للنوع الاجتماعي أداة رئيسية في هذا المسار، فهي تضمن أن يعزز الإنفاق العام والتخطيط المالي فعليا المساواة بين الجنسين من خلال تحليل كيفية تخصيص الموارد ومعالجة الفجوات في القطاعات الحيوية مثل الرعاية الصحية والتعليم والحماية الاجتماعية. في الاقتصادات الريعية ذات التمويل الأجنبي المحدود والضوابط النقدية الصارمة، تواجه منظمات المجتمع المدني تحديات مالية تعيق عملها في مجال المساواة بين الجنسين والتنمية. علاوة على ذلك، يشوش النزاع على عملية جمع البيانات المفصلة حسب النوع الاجتماعي، مما يجعل من الصعب تقييم الظروف الاقتصادية بدقة وتنفيذ سياسات مالية فعالة ومراعية للنوع الاجتماعي في المناطق المتأثرة.

 

هدف البحث

تهدف هذه الدراسة إلى استكشاف الدور التحويلي للاقتصاد النسوي في عملية إعادة الإعمار في فترة ما بعد النزاع، مع التركيز بشكل خاص على الميزانية المراعية للنوع الاجتماعي كأداة حاسمة في مسألة تعزيز المساواة بين الجنسين والعدالة الاجتماعية. إن السؤ ال المحوري الذي  تطرحه هذه الدراسة على نفسها هو الآتي:

كيف تعالج عملية دمج الميزانية المراعية للنوع الاجتماعي في استراتيجيات التعافي الاقتصادي في فترة ما بعد النزاع التفاوتات الهيكلية وتعزز التنمية الشاملة، لا سيما بالنسبة للنساء والمجتمعات المهمشة؟ 

 

بينما ترسي مرحلة ما بعد النزاع أسس إعادة البناء، فقد دخلت العديد من البلدان الآن مرحلة مستقرة نسبيًا. على المدى الطويل، يعتمد نجاح الميزانية المراعية للنوع الاجتماعي على قدرتها على تخطي حدود التعافي الطارئ الحيني وصياغة أجندات تنمية مستمرة تواصل تمكين المجموعات المهمشة. فمن خلال المراكمة على ما اُحرز من تقدم خلال التعافي الأولي بعد النزاع، تساعد السياسات الحالية التي تستخدم الميزانية المراعية للنوع الاجتماعي على استدامة الزخم نحو المساواة بين الجنسين والادماج الاجتماعي، مما يعزز مسار تحول هيكلي بدلاً من تطبيق إصلاحات مؤقتة. وتضمن هذه الاستدامة ترجمة أوجه التقدم التي تحققت خلال فترة التعافي إلى تحسينات دائمة في المشاركة الاقتصادية والتمثيل السياسي والرفاه الاجتماعي للنساء والفئات الضعيفة الأخرئ. 

 

في إطار الإجابة على هذا السؤال، تنطلق الدراسة من اعتبار أن ظاهرة عدم المساواة بين الجنسين لسيت  معزولة، بل هي كثيرة التشابك مع محاور قمع أخرى، مثل الطبقة والعرق والتهميش التاريخي. وتضمن هذه المقاربة أن يلتقط التحليل التجارب المتمايزة للنساء والفئات الضعيفة الأخرى في سياق ما بعد النزاع، بدلاً من التعامل معها كفئة متجانسة.

 

يطمح هذا البحث كذلك إلى تحديد مدى دمج السياسات المراعية للنوع الاجتماعي – ولا سيما الميزانية المراعية للنوع الاجتماعي – في الاستراتيجيات الوطنية للتعافي الاقتصادي. لذلك، يقدم هذا البحث أمثلة من رواندا كنموذج مرجعي لتطبيق أكثر نجاحا ومأسسة للميزانية المراعية للنوع الاجتماعي.في حين يعكس تعافي الجزائر أوجه عدم مساواة هيكلية مستمرة وحوكمة ضعيفة من زاوية مراعاتها للنوع الاجتماعي، تحظى برواندا بالتقدير لنظامها الفعًال لحصص التمثيل النسائي، والمشاركة السياسية النسائية الكبيرة، واعتمادها الميزانية المراعية للنوع الاجتماعي بشكل مؤسسي وراسخ.

 

تركز هذه الورقة على قطاعات بعينها، وهي الرعاية الصحية، ومشاركة المرأة في سوق العمل، والتمثيل السياسي. وتسمح هذه المقاربة الموجهة بإجراء فحص مفصل لنظام عمل الميزانية المراعية للنوع الاجتماعي ضمن المجالات الرئيسية التي تؤثر بشكل مباشر على مسألة المساواة بين الجنسين والادماج الاجتماعي. وينصب التركيز الرئيسي على تحليل مسألة تخصيص الميزانيات الوطنية لقطاع الصحة الإنجابية، مع التركيز على الطريقة التي تعكس بها هذه التخصيصات اعتبارات النوع الاجتماعي أو  تهملها في مسار التعافي في كل بلد. وقد تم اختيار هذا القطاع نظرا لتأثيره المباشر على رفاهية النساء والمجتمعات المهمشة، وكونه يمثل مؤشرا حاسما  للاستثمار الاجتماعي في سياقات ما بعد النزاع.

 

بينما تقدم رواندا مثالاً وثيق الصلة يوضح كيفية إضفاء الطابع المؤسسي على الميزانية المراعية للنوع الاجتماعي في قطاعي الصحة والخدمات الاجتماعية لتحقيق نتائج ملموسة، فإن الجهود المتطورة للجزائر تكشف في الوقت ذاته عن فرص وتحديات في تطبيق استراتيجيات مماثلة. تقدم الأقسام التالية من هذا البحث تقييمًا للميزانية المراعية للنوع الاجتماعي في الجزائر، استنادًا إلى تحليل البيانات والتشريعات في فترة ما بعد النزاع، بالإضافة إلى فحص الميزانية المخصصة للصحّة. وتقدم هذه الورقة مثالاً ارشاديا من رواندا حول كيفية مأسسة المساواة بين الجنسين في إدارة المالية العامة وتنتهي بتوصيات للحكومة الجزائرية.

 

تقييم الميزانية المراعية للنوع الاجتماعي في الجزائر: فجوات البيانات، الحواجز المؤسسية، وتراث ما بعد النزاع

 

تقدم تجارب الجزائر ورواندا دروسًا شديدة التباين حول دور الاستراتيجيات المراعية للنوع الاجتماعي في عملية التعافي. يعكس مسار الجزائر صعوبات أمة مقيدة بإرادة سياسية وقدرة مؤسسية محدودتين، حيث مازلت الجهود المبذولة من أجل مساواة بين الجنسين مجزأة وبطيئة. في المقابل، برزت رواندا كنموذج لإعادة الإعمار بعد النزاع، بين كيف للميزانية المراعية للنوع الاجتماعي أن تشكل مستقبلاً أكثر إندماجا(9).

كانت الفترة التي عُرفت في الجزائر بـ "العشرية السوداء"(1991-2001) فترة مؤلمة للغاية، تركت ندوبًا عميقة في المجتمع بأسره.  وكانت الجزائر، الخارجة للتو من 130 عامًا من الحكم الاستعماري، لا تزال في المراحل المبكرة من إعادة الإعمار عندما غرقت في صراع أهلي قاس. لم تقتصر هذه العشرية على تدمير البنية التحتية المادية والاقتصادية للبلاد فحسب، بل أعادت تشكيل معاييرها الاجتماعية بشكل دائم. عزز النزاع القيم المحافظة وغير بشكل كبير النسيج الاجتماعي والاقتصادي للأمة، بداية بالعادات اليومية وصولا إلى عمليات اتخاذ القرارات الحكومية.

 

تحملت النساء العبء الأكبر من الانحدار المجتمعي العنيف الذي أعاد تعريف معايير النوع الاجتماعي وقيد حقوقهن وحرياتهن بشكل كبير. كما استهدفت الجماعات الإسلامية المسلحة النساء بشكل منهجي – وخاصة الصحفيات والمعلمات والمحاميات – ووصفتهن بأنهن تجسيد للتغريب وعصيان القيم المحافظة. تعرضت النساء للمضايقة والاختطاف والاغتصاب وأحيانًا الاغتيال، بينما أُجبرت الآلاف الأخريات على الزواج المبكر أو الانسحاب من التعليم والعمل(10). لم يحرم العنف النساء من السلامة الجسدية فحسب، بل أخرجهن أيضًا من الأماكن العامة، فحتى التحركات اليومية أصبحت محفوفة بالمخاطر، مما كرّس المعايير الأبوية التي قيّدت حضور النساء في المحيط المنزلي .

 

لا يزال إرث هذه الفترة حاضرا بقوة، فالعديد من المعايير الاجتماعية التي تم ترسيخها أثناء النزاع، مثل القواعد المتعلقة باللباس المحافظ والقيود المفروضة على حضور النساء في الحياة العامة والسياسية، لا تزال متأصلة في المجتمع الجزائري إلى حدود اليوم(11). كما لا تزال ارتدادت الصدمة الناجمة عن العنف المُمارس خلال الحرب غير معالجة إلى حد كبير، لا سيما في حالات العنف الجنسي، مما جعل النساء يعانين من ندوب نفسية دائمة وعزز الصمت بين الأجيال. وعلى الرغم من تطبيق الجزائر نظام الكوتا السياسي الجندري وبعض الإصلاحات، إلا أن المشاركة الفعالة تبقى محدودة، ولا يزال العنف القائم على النوع الاجتماعي يتغذى من نقص في الإبلاغ عنه(12). وفي تحد لهذه القيود الموروثة، يطالب جيل جديد من الناشطات والفنانات والصحفيات الجزائريات  ياستعادة الفضاء العام ويُعدن كتابة السرديات،  غير أنهن يفعلن ذلك على وقع صدمات  بقيت معلقة دون حل ودولة لا تزال مترددة في مواجهة ماضيها(13).

 

في الجزائر، أدى الصراع الأهلي الطويل (1991-2002) أيضًا إلى إضعاف كبير للمؤسسات الإحصائية تسبب في فجوات كبيرة على مستوى البيانات المفصلة حسب النوع الاجتماعي، لا سيما فيما يتعلق بالتوظيف والمشاركة الاقتصادية. فبدون هذه البيانات الأساسية، يصبح دمج منظور النوع الاجتماعي في عمليات وضعالميزانيات صعبا، مما لا يسهل عملية فهم الأثر الاقتصادي للنزاع على النساء بشكل شامل(14).

 

علاوة على ذلك، يطرح النقص في البيانات المفصلة حسب النوع الاجتماعي في الميزانية الوطنية للجزائر تحديات تتعلق بتقييم الأثر المحدد للسياسات المالية على النساء. في عام 2022، خصص صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA) 69,904 دولار أمريكي لتعزيز أنظمة البيانات والأدلة لمعالجة أوجه عدم المساوة.  ساهمت الحكومة بمبلغ 25,638 دولار أمريكي (37 %)، بينما ساهم صندوق الأمم المتحدة للسكان بمبلغ 44,266 دولار أمريكي (63% ) من إجمالي المبلغ. وبينما يشير هذا إلى درجة من الالتزام بتحسين أنظمة البيانات، فإن الافتقار العام للشفافية والإبلاغ المفصل في الميزانية الوطنية يعيق المراقبة والتقييم الفعالين للمبادرات المتعلقة بالنوع الاجتماعي(15).

 

منح مسح الميزانية المفتوحة لعام 2023، الذي أجرته الشراكة الدولية للميزانية (IBP)، الجزائر  15 من أصل 100 فيما يتعلق بمستوى شفافية الميزانية، مما يشير إلى محدودية كبيرة لتوفر المعلومات المفصلة للميزانية، بما في ذلك التخصيصات القطاعية والخاصة بالنوع الاجتماعي. وتؤكد التقارير المقدمة إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة خلال الاستعراض الدوري الشامل للجزائر (UPR) أوجه قصور كبيرة في إمكانية الوصول إلى الخدمات الصحية والبرمجة المراعية للنوع الاجتماعي. وتشمل القضايا الرئيسية عدم وجود استراتيجية وطنية شاملة لمعالجة العنف القائم على النوع الاجتماعي (GBV) وعدم كفاية الدعم المالي للخدمات ذات الصلة. وقد كانت هذه التحديات واضحة بشكل خاص أثناء جائحة كوفيد-19(16) .

 

باعتبارها دولة غنية بالموارد، تُظهر الجزائر العديد من خصائص الاقتصاد الريعي. يُمكّن هذا النموذج السلطات من العمل بدرجة من الاستقلالية عن المؤسسات الدولية و من أن تكون انتقائية في عملية اعتماد المعايير الدولية، كما هو الحال بالنسبة للميزانية المراعية للنوع الاجتماعي. في الجزائر، ونتيجة للقيد الشديد المفروض على التمويل الأجنبي و التحكم الصارم في النظام النقدي، غالبًا ما تواجه منظمات المجتمع المدني التي قد تدعو إلى اعتماد ميزانية مراعية للنوع الاجتماعي، في هذه البيئة الصعبة، قيودا مالية شديدة . يصعب تصور كيفية تنفيذ تخطيط مالي مراع للنوع الاجتماعي في الجزائر إذا لم تتبن الحكومة نفسها هذه المقاربة، خاصة في ظل سيطرة الرجال على عملية صنع القرار، وعلى وجه الخصوص الجهات الفاعلة المحافظة.

 

اعتبارًا من شهر فبراير 2024، شغلت النساء 7.9 % من مقاعد المجلس الشعبي الوطني (32 من أصل 407) . وفي مجلس الأمة، شغلت النساء 4.1 % من المقاعد (7 من أصل 170 ). بالإضافة إلى ذلك، بعد الانتخابات الرئاسية لعام 2024، كانت 11.4 % من وزراء الحكومة من النساء، بالاضافة إلى تعيين أربع نساء في مناصب وزارية(17).

 

سيؤثر نقص البرامج الموجهة لتعزيز تمكين المرأة والتوزيع العادل للمسؤوليات المنزلية على عدد كبير من النساء، بالنظر إلى أن النساء والفتيات اللواتي تبلغ أعمارهن 10 سنوات فما فوق في الجزائر يقضين حوالي ربع (22.9 %) وقتهن في الرعاية غير مدفوعة الأجر والعمل المنزلي. يمثل المقدار غير المتناسب من الوقت الذي تقضيه النساء والفتيات في الجزائر في أعمال الرعاية غير مدفوعة الأجر فجوة قابلة للقياس بين الجنسين يمكن للميزانية المراعية للنوع الاجتماعي معالجتها. ومن خلال دمج هذه البيانات في التخطيط المالي، يمكن للحكومة تخصيص الموارد للخدمات والبنية التحتية التي من شأنها أن تقلص وتعيد توزيع الرعاية غير مدفوعة الأجر، مثل رعاية الأطفال، ورعاية المسنين، وتُحسّن قابلية الوصول إلى الخدمات الأساسية. بدون هذه التخصيصات المراعية للنوع الاجتماعي، ستستمر هذه التفاوتات، مما سيحد من مشاركة المرأة في الاقتصاد والحياة العامة.

 

وفقًا لأحدث بيانات البنك الدولي (2024)، تشكل النساء حوالي 18 % من إجمالي القوة العاملة في الجزائر، مقارنة بأكثر من 70 % للرجال. وقد سنت الجزائر قوانين لتعزيز المساواة بين الجنسين، بما في ذلك تشريع يفرض المساواة في الأجر مقابل العمل المتساوي ويحظر التمييز القائم على النوع الاجتماعي في مكان العمل. ومع ذلك، لا يزال إنفاذ هذه القوانين غير متسق.  هذا وتشدد منظمات المجتمع المدني على الحاجة إلى أطر رصد أنجع وحملات توعية لتحدي الأعراف المجتمعية وتعزيز الإدماج الاقتصادي للمرأة(20).

 

يمكن للميزانية المراعية للنوع الاجتماعي أن تساهم في سد الفجوة بين الإنجازات التعليمية للمرأة ومشاركتها المنخفضة في القوة العاملة من خلال ضمان تخصيص موارد عامة لمعالجة الحواجز الهيكلية التي تعترضها. يتطلب ذلك دمج تحليل النوع الاجتماعي في جميع مراحل دورة الميزانية لمعرفة كيف للإنفاق أن يُقلص من أوجه عدم المساواة. في الجزائر، يمكن للميزانية المراعية للنوع الاجتماعي أيضًا أن تعطي الأولوية للاستثمارات التي تجعل القطاع الخاص أكثر جاذبية ويمكن الوصول إليه من طرف المرأة. وقد تشمل هذه الاستثمارات الجوانب المتعلقة بحماية مكان العمل، وحوافز لتوظيف وترقية النساء، وبنية تحتية تقلص من أعباء الرعاية غير مدفوعة الأجر. ومن خلال ربط التخصيصات المالية بأهداف المساواة بين الجنسين، يمكن للحكومة تحويل المؤهلات الأكاديمية للمرأة إلى مشاركة اقتصادية ملموسة، مع مساهمة في تنويع اقتصادي أوسع.

 

تواصل النساء الجزائريات تفوقهن الأكاديمي. ففي عام 2023، أفادت وزارة التعليم العالي أن النساء يمثلن ما يقرب من 60 % من خريجي الجامعات على المستوى الوطني. ومع ذلك، لم يُترجم هذا التميز التعليمي بعد إلى مشاركة متساوية في سوق العمل(21). على الرغم من المبادرات الحكومية لتحسين الأوضاع، تظل مشاركة النساء في القوة العاملة أقل بكثير من الرجال. من جملة أمور أخرى، أنشأ الاقتصاد الريعي الجزائري عددًا قليلاً من الوظائف في قطاعات يمكنها استيعاب أعداد كبيرة من الخريجين المهرة، لا سيما النساء. هذا ويظل التوظيف في القطاع العام الخيار الأكثر تفضيلا بسبب الاستقرار والمزايا التي يوفرها، ولكن طاقة استيعابه البشرية أصبحت مستنفذة بشكل متزايد. وعلى النقيض من ذلك، غالبًا ما يتسم القطاع الخاص بالتوظيف غير الرسمي، وانخفاض الأجور، والحماية المحدودة، مما يجعله أقل جاذبية لكل من النساء والرجال. بالنسبة للنساء على وجه الخصوص، فإن الافتقار إلى سياسات مراعية للنوع الاجتماعي وفرص التقدم الوظيفي يضاعف الحد من مشاركتهن. فبدون تنويع اقتصادي وتدابير موجهة، من المرجح أن تستمر الفجوة بين التحصيل التعليمي والتوظيف ذات القيمة المضافة . يمكن أن يؤدي الترفيع في عدد الوزيرات إلى خلق سفيرات مؤسسيات قويات تدافعنا عن الميزانية المراعية للنوع الاجتماعي، لكن التمثيل البرلماني الضعيف يعني سيطرة سياسية وقدرة تأثير محدودتين. تتطلب الميزانية المراعية للنوع الاجتماعي الفعالة ليس فقط تمثيلا وزاريا للنساء ولكن  أن يكون التمثيل كذلك مراعيا للنوع  الاجتماعي على نطاق واسع في لجان الميزانية وهيئات الرقابة والحوكمة المحلية.

 

في عام 2025، اتخذت الجزائر خطوات مهمة نحو حوكمة مراعية للنوع الاجتماعي، حيث يمثل تعيين تسع وزيرات تحسنًا ملحوظًا على مستوى الجهاز التنفيذي (بوسعادة نيوز 2025)(22). وفي الوقت نفسه، يدل إطلاق المنصة الرقمية "حمايتي"في سبتمبر 2025 من قبل وزارة التضامن الوطني والأسرة وقضايا المرأة على وجود استثمار ملموس في منع العنف القائم على النوع الاجتماعي والاستجابة له(HIVOSEU SEE 2025)(23). توفر هذه التطورات فرصًا لترسيخ ممارسات الميزانية المراعية للنوع الاجتماعي في هيكلة المالية العامة في الجزائر . على سبيل المثال، يجب أن تعكس مخصصات الميزانية الحضور المتزايد للنساء كصانعات قرار، وضمان توجيه الموارد نحو برامج تمكين وحماية المرأة، ودمج آليات تشاركية حتى تستطيع أصوات النساء إنارة السلطة التنفيذية والمجتمع المدني حول أولويات الميزانية . علاوة على ذلك،  تشكل متابعة نتائج الخدمات المتاحة عبر منصة “حمايتي” آلية للمساءلة بشأن الميزانية المراعية للنوع الاجتماعي، مما يضمن أن تُترجم المدخلات (بنود الميزانية) إلى خدمات ملموسة ونتائج لفائدة النساء والفتيات.

 

ميزانية الصحة في الجزائر: الحاجة الملحة للتمويل المستجيب للنوع الاجتماعي والرعاية الإنجابية الشاملة

 

لا تدمج ميزانية وزارة الصحة بشكل منهجي مبادئ الميزانية المراعية للنوع الاجتماعي. فنادرا ما يتم تفصيل النفقات حسب النوع الاجتماعي أو تخصيصها على وجه التحديد للحد من الفوراق الصحية القائمة على النوع الاجتماعي. وتجدر الإشارة إلى أن الجزائر تفتقر إلى إطار شامل للميزانية المراعية للنوع الاجتماعي، وهو أمر لا عنى عنه كي تصبح المساواة بين الجنسين ضمن أولويات السياسات الوطنية. على الرغم من الأهمية الحاسمة لخدمات الصحة الإنجابية، مثل رعاية الأمومة، وتنظيم الأسرة، والرعاية السابقة للولادة وبعدها، تتمتع هذه المجالات بتمويل محدود وغالبًا ما لا يكون مخصصًا. ويعيق هذا النقص في الموارد المخصصة القدرة على تتبع وتعزيز الاستثمارات التي تعود بالنفع على صحة المرأة بشكل مباشر(25).

 

على الرغم من دمج خدمات تنظيم الأسرة في الرعاية الصحية الأولية منذ أواخر الستينيات، فإن غياب بنود محددة في الميزانية تشير إلى هذه الخدمات لا يزال يحد من توسعها وفعاليتها. وبينما وصل إجمالي ميزانية وزارة الصحة لعام 2025 إلى حوالي 1.004 تريليون دينار (حوالي 7.6 مليار دولار أمريكي)، لا يبدو أن الصحة الإنجابية تحظى بالأولوية ضمن هذا التخصيص(26). وقد سلطت جهود المناصرة التي يقوم بها صندوق الأمم المتحدة للسكان في الجزائر الضوء على أهمية تعزيز خدمات الصحة الإنجابية من خلال تأمين إمدادات وسائل منع الحمل عبر أنظمة الشراء الدولية. وتهدف هذه المبادرات إلى تحسين توافر وسائل منع الحمل واستدامتها، ولكنها تتطلب دعمًا حكوميًا أقوى والتزامات في الميزانية للتوسع بفعالية(27).

يلعب النظام الصحي دورًا محوريًا في دعم الناجيات من العنف ضد النساء والفتيات من خلال توفير الرعاية الطبية والدعم النفسي والإحالات . ومع ذلك، تفتقر الجزائر إلى ميزانية مخصصة صراحة لمعالجة العنف القائم على النوع الاجتماعي. هذا ويتم تقديم العديد من الخدمات، مثل المساعدة القانونية والمساعدة الصحية ومراكز الإيواء، من قبل المنظمات غير الحكومية دون دعم حكومي ثابت(28). هذا ويعكس غياب ميزانية مراعية للنوع الاجتماعي مع تخصيصات محددة لمعالجة العنف ضد النساء والفتيات هذه الفجوة.

 

في عام 2022، خصص صندوق الأمم المتحدة للسكان 448,560 دولار أمريكي لمناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي والممارسات المسيئة في الجزائر. ومن هذا المبلغ، ساهمت الحكومة بمبلغ 50,792 دولار أمريكي فقط (11%)، بينما ساهم صندوق الأمم المتحدة للسكان بمبلغ 325,328 دولار أمريكي (73%). وهو ما يشير إلى اعتماد كبير على التمويل الدولي فيما يتعلق بمبادرات تعمل على العنف القائم على النوع الاجتماعي ويسلط الضوء على الحاجة إلى الترفيع في الاستثمار المحلي المخصص لهذا الموضوع(29).

 

نادرًا ما يتم إعتبار الصحة العقلية للمرأة كأولوية، فهي غالبًا ما تتأثر بالمحددات الاجتماعية مثل عدم المساواة بين الجنسين، أو كأن لا يتم تخصيص تمويل محدد لفائدتها. وبالمثل، لا تُخصص بنود ميزانية محددة للأمراض المزمنة التي تؤثر على النساء بشكل مختلف، مثل هشاشة العظام وأمراض المناعة الذاتية(30). كما توجه مخصصات الميزانية الموجهة للصحة والبنية التحتية إلى المراكز الحضرية أساسا ، مما يقلص من فرص وصول النساء في المناطق الريفية والنائية إلى خدمات مثل الرعاية السابقة للولادة وتنظيم الأسري. وهو ما يجعل من هذا التحيز الحضري  عاملا من عوامل تفاقم أوجه عدم المساواة(31). 

خلال الأزمات مثل جائحة كوفيد-19، ركزت عملية إعادة تخصيص الميزانية عموما على تعزيز النظام الصحي العام، مع  ايلاء اهتمام محدود للتأثيرات المتعلقة بالنوع الاجتماعي، مثل ارتفاع نسب العنف المنزلي أو تعطل خدمات الصحة الإنجابية .

 

غالبًا ما يُساء فهم حالة الاكتئاب ما بعد الولادة في المجتمع الجزائري. وكثيرًا ما تُعزى الأعراض إلى خرافات مثل السحر أو المس من الجن أو الشعوذة. ويمنع هذا التبرير الميتافيزيقي العديد من النساء من الوصول إلى الرعاية المناسبة، ويضاعف من معاناتهن. ويحث العاملون في مجال الدفاع عن  الصحة النسوية على اعتماد مقياس “إدنبرة”  (EPDS) في جميع مرافق الرعاية السابقة للولادة وبعدها لتشخيص اكتئاب ما بعد الولادة والكشف المنهجي عنه ومنعه(32).

 

بالإضافة إلى ذلك، دعت منصات نسوية الحكومة إلى التعامل مع الإفراط في استخدام العمليات القيصرية وإهمال رعاية ما بعد الولادة كأزمات صحية وطنية للمرأة في الجزائر. ومن شأن مقاربة الميزانية المراعية للنوع الاجتماعي أن تضمن توزيع مخصصات الصحة بشكل عادل، وتعزيز آليات المساءلة، وأن تكون الاحتياجات الصحية الخاصة بالمرأة – لا سيما فيما يتعلق بالولادة والصحة الذهنية – في صميم تخطيط السياسات والإنفاق.

 

وفقًا لوزير الصحة الجزائري، تتم ما يقرب من 21 % من الولادات في البلاد عن طريق العملية القيصرية. ومع ذلك، إذا ما ذهبنا إلى ما أبعد من ذلك، سنلاحظ تباينا صارخ بين القطاعات حيث يتم إجراء ما يقرب من 80 % من الولادات في القطاع الخاص عن طريق العملية القيصرية مقارنة بحوالي 20 % فقط في القطاع العام. وهو ما يشير إلى أن دوافع غير طبية – وربما اقتصادية أو متعلقة بتنظيم العمل – تؤثر على قرارات الولادة، لا سيما في المرافق الخاصة(33).

 

تطالب الحركات النسوية باعتبار الإفراط في استخدام العمليات القيصرية أزمة صحية وطنية بالنسبة للمرأة. كما تدعو إلى اعتماد سياسة وطنية وآلية رصد للإشراف وتنظيم استخدام الولادات القيصرية في كل من القطاعين الصحيين العام والخاص، مما يضمن أن يقتصر إجراء مثل هذه العمليات الجراحية على الحالات المبررة طبيا(34). توصي منظمة الصحة العالمية (OMS) بأن تظل معدلات العمليات القيصرية بين 10 و 15  %  لأن المعدلات التي تتجاوز هذا النطاق  لا علاقة لها بانخفاض في وفيات الأمهات أو الأطفال حديثي الولادة. في الجزائر، تتجاوز المرافق الخاصة هذا المستوى بكثير، مما يشير إلى إساءة استخدام طرق ولادة جراحية غير مبررة طبيا(35). خلصت دراسة أجريت عام 2021 أن 53  % من الولادات في القطاع الخاص في الجزائر كانت تتم قيصريا، مقارنة بـ 7  % فقط في المستشفيات العامة . وتشير هذه النتائج إلى أن عوامل مثل ملائمة الأطباء، وهوامش ربح أعلى، وربما حتى مفاهيم خاطئة أو متطلبات المرضى تساهم في  ارتفاع هذا المعدل في العيادات الخاصة(36).

 

غالبًا ما يُجرى هذا الإجراء، الذي يتضمن شقًا جراحيًا (3 إلى 5 سم) في العجان لتسهيل الولادة المهبلية، دون موافقة مستنيرة وأحيانًا حتى دون تخدير. وبينما قد يكون شق العجان ضروريًا طبيًا في بعض الأحيان، فإن اللجوء إليه بشكل منهجي لتسريع المخاض يتعارض مع مبادئ منظمة الصحة العالمية التوجيهية، التي توصي بمقاربة حصرية بدلاً من مقاربة شاملة(37). وتكشف هذه الحالة كيف أن أوجه عدم المساواة القائمة على النوع الاجتماعي، والتشريعات غير الملائمة،  بالأضافة إلى التضليل الإعلامي تتسبب مجتمعة في ضرر يلحق بصحة الأم. يجب أن يصبح الحد من العمليات القيصرية غير الضرورية، والاعتراف باكتئاب ما بعد الولادة كمسألة سريرية بدلاً من اعتباره مسألة ميتافيزيقية، واحترام استقلالية جسد المرأة أثناء الولادة، ركائز أساسية للقيام بإصلاحات تتعلق بالصحة الإنجابية في الجزائر.

 

مؤخرًا، خضعت إجازة الأمومة في الجزائر لإصلاح مهم يسعى إلى حماية أفصل لحقوق ورفاهية الأمهات العاملات. اعتبارًا من يناير 2025، وافقت الحكومة الجزائرية على مشروع قانون يمدد إجازة الأمومة من 14 أسبوعًا إلى 5 أشهر (150 يومًا) مع تعويض كامل للأجر طوال فترة الإجازة. وقد تُمنح تمديد ثانٍ يصل إلى 165 يومًا إضافيًا، حسب الحالة الصحية للطفل. ويهدف هذا التحول التدريجي إلى مواءمة الممارسة الجزائرية مع أفضل الممارسات العالمية في مجال صحة الأم وحقوق العمل. كما يعالج المخاوف القديمة بشأن فترات إجازة الأمومة القصيرة وتأثيرها على صحة الأم والطفل(38)، فضلاً عن التمييز في مكان العمل(39).

 

على الرغم من هذا التحسن الكبير، واجه القانون انتقادات من الجماعات النسوية ومنظمات المجتمع المدني لاستبعاده “أمهات الحضانة”، حيث لا تتمتع النساء اللاتي يتبنّين أو يرعين أطفالا بإجازة الأمومة، مما يحرمهن من المدة التي تتكفل الدولة بأجرها لإنشاء رابط مع الطفل ورعايته. يُرسّخ هذا القصور مفهوماً مقيداً للأمومة ويتجاهل دور مقدّمات الرعاية وحقوق الأمهات غير البيولوجيات. إن مثل هذه الإسقاطات دليل على غياب مبدأ التقاطعية في السياسات والأطر الميزانية لقطاع الصحة، حيث تُهمل احتياجات الأمهات غير البيولوجيات - ومن ثم، المجموعات الأخرى المهمشة في مجال الرعاية.إن هذا القصور في الرؤية يساهم في إطالة عمراللامساواة في الحصول على المنافع الاجتماعية والصحية الممولة من الدولة، ويعيق بالتالي بناء أنظمة صحية شاملة ومراعية للنوع الاجتماعي فعليا.

 

 

الدروس المستفادة من رواندا

 

النوع الاجتماعي وصياغة ميزانية الصحة وتنمية الطفولة المبكرة

 

قامت وزارة الصحة الرواندية بدمج استراتيجيات مراعية للنوع الاجتماعي في إطار ميزانياتها وسياساتها في محاولة منها لتحسين خدمات الصحة الإنجابية المٌوجهة للمرأة.  هذا وأعطت الحكومة الأولوية لصحة الأم من خلال توسيع الوصول إلى رعاية عالية الجودة قبل الولادة وبعدها. ويشمل ذلك نشر ما يقرب من 58,000 عامل صحي على مستوى محلي، ثلثاهم (66 %) من النساء، لتقديم خدمات صحية محلية لفائدة الأمهات. ويقدم هؤلاء العاملون الصحيون خدمات مثل متابعة حالات الحمل والتوجيه إلى المرافق الصحية، مما ساهم في زيادة كبيرة في نسبة الولادات داخل هذه المرافق التي استأثرت اعتبارًا من 2016-2017،  ب 98 % من أجمالي الولادات، مما أدى إلى انخفاض في معدلات وفيات الأطفال حديثي الولادة والرضع(40).

 

وإدراكًا منها لتأثير العنف القائم على النوع الاجتماعي على صحة المرأة، أنشأت رواندا مراكز خدمات متكاملة لدعم الناجيات. على سبيل المثال، يوفر مركز “إيزانج” الشامل للخدمات ، الذي أُنشأ في عام 2009، الرعاية الطبية، والاستشارة، والمساعدة القانونية، وخدمة الإيواء قصيرة الأجل لضحايا العنف القائم على النوع الاجتماعي. وتضمن هذه المقاربة الشاملة حصول الناجيات على دعم شامل في مكان واحد(41).

 

يتضح التزام رواندا بتوفير خدمات صحية مراعية للنوع الاجتماعي أيضًا من خلال أهداف الأداء المحددة في الاستراتيجيات الوطنية. وتتضمن الاستراتيجية الوطنية للتحول ( 2017-2024) أهدافًا تسعى إلى توسيع نطاق خدمات تطوير الطفولة المبكرة (ECD) على مستوى القرية. تهدف هذه المبادرة إلى توفير رعاية شاملة للأطفال، بما في ذلك الصحة والتغذية والتنمية المعرفية، وبالتالي دعم أدوار النساء كمقدمات أساسيات للرعاية وتعزيز المساواة بين الجنسين. ومن خلال دمج خدمات تطوير الطفولة المبكرة في المجتمعات المحلية، تتيح الحكومة وصولاً أكبر لهذه الخدمات وتشجع مشاركة الرجال في مجال الرعاية(42).

 

تتعاون وزارة الصحة مع قطاعات أخرى لتنفيذ برامج مجتمعية تدعم تطوير قطاع الطفولة المبكرة . على سبيل المثال، يتم تدريب العاملين الصحيين المحليين لتثقيف مقدمي الرعاية حول صحة الطفل وتنميته، مما يعزز أهمية التدخلات المبكرة ومشاركة الوالدين. وتساهم هذه الجهود في تحسين نتائج المتعلقة بصحة الطفل وتخفيف بعض أعباء الرعاية التي تقع تقليديًا على عاتق النساء(43). وبالتعاون مع صندوق الأمم المتحدة للسكان ووزارة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والابتكار، تقوم رواندا بتطوير منصات رقمية لتقديم معلومات دقيقة حول الصحة والحقوق الجنسية والإنجابية. وتهدف هذه المنصات إلى منع العنف القائم على النوع الاجتماعي ودعم الناجيات من خلال تقديم معلومات أساسية وآليات إبلاغ والوصول إلى خدمات الدعم عبر الإنترنت(44).

 

لضمان فعالية الميزانية والسياسات المراعية للنوع الاجتماعي، أنشأت رواندا آليات رصد قوية مثل مكتب رصد النوع الاجتماعي(GMO) في عام 2007  الذي يقوم بمراقبة درجة الامتثال لمبادئ المساواة بين الجنسين في القطاعين العام والخاص، كما يقيّم تنفيذ الميزانية المراعية للنوع الاجتماعي وجودة الخدمات المقدمة لضحايا العنف القائم على النوع الاجتماعي، ويدعو إلى احترام المساواة بين الجنسين على جميع المستويات(45). وبالتالي، تبين تجربة رواندا كيف يمكن للإرادة السياسية القوية والالتزام المؤسسي أن يحولا الميزانية المراعية للنوع الاجتماعي إلى دافع قوي لتحسين صحة المرأة والرفاه الاجتماعي.

 

في المقابل، تقف الجزائر عند مفترق طرق، حيث تواجه تحديات هيكلية وثقافية ومالية لا تزال تعيق الإدماج الكامل لمنظور النوع الاجتماعي في التخطيط الصحي والإنفاق العام. وبينما تتجه البلاد نحو  تطبيق ميزانية أكثر شمولاً، لا سيما في سياسات الصحة الإنجابية والأمومة، فإن مسارها يوضح في الآن ذاته ضرورة وصعوبة مواءمة الميزانيات الوطنية مع أهداف المساواة بين الجنسين، مستفيدة من نجاح المثال الرواندي..ويتوافق التزام الجزائر بتطويرالطفولة المبكرة والخدمات الصحية المراعية للنوع الاجتماعي مع مبادئ الميزانية المراعية للنوع الاجتماعي، التي تسعى إلى ضمان معالجة الموارد العامة لأوجه عدم المساواة بين الجنسين بفعالية وتلبية الاحتياجات الخاصة للنساء والأطفال.

 

اتخذت الجزائر خطوات نحو دمج منظور النوع الاجتماعي في إدارة المالية العامة. على سبيل المثال، بدأت وزارة المالية، بالتعاون مع شركاء دوليين مثل هيئة الأمم المتحدة للمرأة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، جهودًا لدعم موازنة مراعية للنوع الاجتماعي لتحسين تخصيص ورصد الموارد اللازمة من أجل المساواة بين الجنسين، بما في ذلك قطاعات مثل الصحة والخدمات الاجتماعية. على الرغم من هذا التقدم، لا يزال التأثير العملي للميزانية المراعية للنوع الاجتماعي في القطاعات الاجتماعية الجزائرية، مثل برامج الطفولة المبكرة والخدمات الصحية المدرسية، محدودا بسبب نقص في القدرات، وتوافر البيانات، والحاجة إلى تنسيق مؤسسي أقوى. وهو ما يؤثر على قدرتها على ضمان ميزانية كافية وموجهة للتدخلات المراعية للنوع الاجتماعي، بما في ذلك تلك المصممة للحد من التفاوتات في نتائج تنمية الطفولة.

 

إن التعزيز المستمر لآليات الميزانية المراعية للنوع الاجتماعي أمر حاسم لسد الفجوة بين التزامات الجزائر السياساتية والتنفيذ الفعلي للخدمات في الرعاية الصحية المراعية للنوع الاجتماعي وتنمية الطفولة(46). ويمكن أن تساعد الميزانية الموجهة التي تعطي الأولوية للفئات الضعيفة في معالجة أوجه عدم المساواة المستمرة المرتبطة بالوضع الاجتماعي والاقتصادي وتحسين الوصول العادل إلى خدمات عالية الجودة لجميع الأطفال والأسر.

 

مأسسة المساواة بين الجنسين في المالية العامة

 

في رواندا، جعلت عملية إعادة الإعمار بعد الإبادة الجماعية الأولوية من إعادة بناء المؤسسات والإنصاف بين الجنسين. هذا وقد جمع المعهد الوطني للإحصاء بيانات مفصلة حسب النوع الاجتماعي لدعم الميزانية المراعية للنوع الاجتماعي:. وبينما لا تزال التحديات قائمة، لا سيما في المناطق الريفية حيث لا يتم الإبلاغ كفاية(47) عن عمل النساء غير الرسمي، استثمرت رواندا في تدريب صناعالقرار السياسي ودمج الميزانية المراعية للنوع الاجتماعي في جميع القطاعات.

 

على الرغم من النقائض التنفيذية في قطاعي الفلاحة والحماية الاجتماعية، فقد رفّعت عديد المبادرات مثل صندوق ضمان المرأة والإصلاحات العقارية من نسب المشاركة الاقتصادية للمرأة وقلصت من مستوى الفقر في الأسر التي ترأسها نساء. وفرض دستور عام 2003 تمثيلاً نسائيًا بنسبة 30 % على الأقل، مما أدى إلى شغل النساء لأكثر من 60 % من المقاعد البرلمانية و ازداد معدل مشاركة للنساء في القوة العاملة بنسبة 86 % بحلول عام 2021(48).

 

في المقابل، تصطدم جهود الجزائر من أجل تخطيط مالي مراعي للنوع الاجتماعي بعوائق مؤسسية وتقنية. كما أن نقص الخبرة، وضعف التنسيق بين الوزارات، والمقاومة السياسية تعيق تنفيذ الأطر المراعية للنوع الاجتماعي. وعلى الرغم من وجود حماية قانونية للمرأة، فإن نسبة الإنفاذ بقيت ضعيفة وتظل مشاركة النساء في القوة العاملة منخفضة عند حوالي 19 %. وتواجه منظمات المجتمع المدني أيضًا قيودًا بموجب القانون رقم 12-06، الذي يحد من قدرتها على الدعوة للمساواة بين الجنسين والتأثير على السياسة العامة(49).

 

بالإضافة إلى ذلك، أعاق التعاون المحدود للحكومة الجزائرية مع المنظمات النسوية إلى الجهود الرامية  لوضع سياسات إنعاش مراعية للنوع الاجتماعي(50). وقد أدى تجذر الأعراف المحافظة وغياب الثقة السياسية إلى تهميش منظمات المجتمع المدني، بينما يبدو أن القيود الحكومية تهدف إلى الحد من تأثيره هذه المنظمات على صنع السياسات. وهو ما يؤكد على الحاجة إلى حوكمة شاملة تمكن المجتمع المدني من تعزيز الإنصاف بين الجنسين.

 

يؤكد نجاح رواندا على أهمية الإرادة السياسية والمؤسسات القوية في تعزيز التعافي المراعي للنوع الاجتماعي. تجدر الإشارة إلى أن دستور 2003  يفرض تمثيلاً نسائيًا بنسبة 30 % على الأقل في أجهزة صنع القرار، مما يعزز مشاركة المرأة في مسار الحوكمة. وقد تم أيضًا دمج الميزانية المراعية للنوع الاجتماعي عبر الوزارات لضمان تخصيص عادل للموارد(51).

 

تظهر تجربة الجزائر أن إهمال مسألة الإنصاف بين الجنسين في عملية التعافي في فترة ما بعد النزاع يمكن أن يعمّق أوجه عدم المساواة ويعيق مسارالتنمية المستدامة. وهو ما يؤكد على الحاجة إلى إدراج الإنصاف بين الجنسين في استراتيجيات التعافي من أجل تقدم دائم وشامل(52). هذا ويعتمد هذا التعاف الشامل على التعاون القوي بين الحكومة ومنظمات المجتمع المدني واستخدام البيانات المفصلة حسب النوع الاجتماعي لتوجيه السياسات.من شأن هذا التمشي تعزيز  الصمود الاقتصادي وتعزيز العدالة خاصة بالنسية للفئات المهمّشة(53).

 

تتطلب الميزانية الفعالة المراعية للنوع الاجتماعي إرادة سياسية قوية ودعمًا مؤسسيًا ومشاركة المجتمع المدني كما هو الحال بالنسبة لروندا التي أقرّت حصص النوع الاجتماعي وخصّصت وزارة للنوع الاجتماعي لقيادة هذه الإصلاحات. وتبين مقاربة روندا المتكاملة كيف يستطيع العمل الملتزم أن يؤدي إلى تقدم فعلي نحو مجتمع أكثر إنصافًا. رغم أن الجزائراتخذت خطوات نحو تعزيز المساواة بين الجنسين كما توجد  خطة عمل وطنية من أجل المساواة بين الجنسين تشكل إطارًا صلبًا، إلا أنم التقدم بقي بطيئا. لقد حدّت صعوبات التنفيذ من تأثيره هذه الخطّة، مما يؤكد الحاجة إلى التزام سياسي أكثر حزما وتنفيذ أكثر فعالية لإحداث تغيير حقيقي.

 

الخاتمة

 

استكشف هذا البحث، من خلال تسليط الضوء على المثال الجزائري، الدور الحاسم للميزانية المراعية للنوع الاجتماعي كأداة للتغيير  من أجل تعزيز الإنصاف والتنمية الشاملة في السياقات الهشّة و المتأثرة بالنزاعات. كما قدم دروسًا مستفادة من سياق مماثل، وتحديداً رواندا، التي نفذت دمج النوع الاجتماعي في السياسة المالية.

 

يبين المثال الرواندي كيف للإرادة السياسية المدعومة والالتزام المؤسسي والأطر السياساتية الشاملة أن تؤدي إلى نتائج ملموسة فيما يتعلق بالمساواة بين الجنسين والتنمية الاجتماعية. من ناحية أخرى، يبين المثال الجزائري تحديات تنفيذ الميزانية المراعية للنوع الاجتماعي في سياق يهيمن فيه الإنفاق العسكري على الميزانيات الوطنية وغالبًا ما تُهمش فيه الاعتبارات المتعلقة بالنوع الاجتماعي. تؤكد النتائج أن الميزانية المراعية للنوع الاجتماعي ليست مجرد ممارسة تقنية، بل هي ضرورة سياسية واجتماعية تتطلب إعادة توجيه للأولويات الوطنية.

 

في السياقات التي تتسم بتجذر الأعراف الأبوية وموروثات ما بعد النزاع، تعزز الميزانية الغير مراعية للنوع الاجتماعي أوجه عدم المساواة الهيكلية، لا سيما بالنسبة للنساء والمجتمعات المهمشة التي تظل مستبعدة من الفرص الاقتصادية و من امكانية الوصول إلى الخدمات الأساسية. إن تبني منظور اقتصادي نسوي – وخاصة تقاطعي – في إدارة المالية العامة، يوفر مساراً لتصحيح هذه الاختلالات وبناء مجتمعات أكثر عدالة ومرونة.

لا يمكن دعم التنمية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في الجزائر إلا من خلال التزام صادق بحوكمة شاملة، ومؤسسات شفافة، ومشاركة مدنية هادفة.هذا وتجدر الإشارة إلى تضاعف المطالبات بالإصلاح في السنوات الأخيرة – تقودها شريحة الشباب، والحركات النسائية، والمجتمع المدني، والأكاديميون – داعية إلى عقد اجتماعي جديد قائم على العدالة والمساءلة وتكافؤ الفرص.

وللاستجابة لهذه المطالب بفعالية، يجب على الحكومة أن تتجاوز الإجراءات الرمزية وتلتزم بتحوّل هيكلي يضع الإنصاف والمشاركة وحقوق الإنسان في صميم الإدارة العامة. يجب ألا تكون المساواة بين الجنسين، والشفافية، والتعاون المشترك بين القطاعات مجرد أمنيات، بل يجب أن تصبح ممارسات متكاملة في المنظومات الوطنية.

 

توصيات موجهة للحكومة الجزائرية

 

. الإصلاح المؤسسي وشفافية البيانات

تعزيز استقلالية وفعالية ورقمنة مؤسسات الدولة، لا سيما تلك المتعلقة بالتخطيط والإحصاء والتدقيق.

إلزام جميع الوزارات بالكشف علنًا عن الميزانيات السنوية المفصلة وتقديم تقارير شاملة في نهاية كل سنة مالية، توضح كيفية تخصيص الأموال واستخدامها.

 

2. الميزانية المراعية للنوع الاجتماعي والشاملة

اعتماد الميزانية المراعية للنوع الاجتماعي كسياسة وطنية أساسية، مع تقييمات واضحة لأثر ذلك على النوع الاجتماعي في جميع الوزارات.

 إدراج مبادئ الميزانية المراعية للنوع الاجتماعي ضمن الدستور الجزائري، وتكون مستوحاة من نماذج مثل رواندا، لضمان مساءلة طويلة الأمد.

 

3. مأسسة التقاطعية في صياغة السياسات

دمج المقاربات التقاطعية التي تأخذ في الاعتبار الأشكال المتداخلة للتمييز (النوع الاجتماعي، المنطقة، العمر، الإعاقة، الوضع الاجتماعي والاقتصادي) في جميع مراحل تصميم السياسات وتنفيذها وتقييمها.

طلب جمع بيانات مفصلة لرصد كيفية تأثر الفئات السكانية المختلفة بالسياسات والخدمات العامة.

 

4. إحياء وتوسيع نظام الحصص

تعزيز نظام الحصص لتمثيل المرأة في البرلمان وعلى جميع مستويات الحوكمة (المجالس المحلية، والإدارة العامة، والقضاء).

ضمان أن تضاف برامج التوجيه والتدريب السياسي والتنمية القيادية إلى الحصص المخصصة للنساء والمجموعات الممثلة تمثيلاً منقوصا.

 

5. التعاون بين الوزارات وتماسك السياسات

تعزيز التنسيق بين الوزارات لتجنب تجزئة السياسات، لا سيما في مجالات مثل المساواة بين الجنسين ومشاركة الشباب والعمل المناخي .

إنشاء فرق عمل مشتركة (على سبيل المثال، وحدة للمساواة بين الجنسين) بين وزارات المالية والتعليم والداخلية والبيئة وشؤون المرأة لمواءمة الأولويات وتجميع الموارد بفعالية.

 

 6. الإنخراط المدني والمساءلة

مأسسة الحوكمة التشاركية من خلال إنشاء آليات رسمية للتشاور مع المجتمع المدني في المسارات السياسات الوطنية والمحلية.

ضمان وصول الجمهور إلى المعلومات المتعلقة بالميزانية والمشاريع السياسية وتقارير التقييم من خلال بوابات البيانات المفتوحة والإحاطات العامة المنتظمة.

 

توصيات لمنظمات المجتمع المدني

المراقبة النشطة للإنفاق العام وتنفيذ السياسات من خلال تتبع الميزانية المستقل، والتقارير الموازية، ومراجعات المواطنين.

الضغط من أجل إقرار ميزانية مراعية للنوع الاجتماعي وإدماج المقاربات التقاطعية في صنع السياسات من خلال توليد الأدلة، وإجراء حوارات مع صناع القرار، وفرض حضور أكبر للمجتمعات.

تعزيز إصلاحات سياسات شاملة ومعالجة الاحتياجات الخاصة للنساء والفتيات والأشخاص ذوي الإعاقة والمجتمعات الريفية.

تعزيز التحالفات بين منظمات المجتمع المدني الوطنية، والحركات الشعبية، والمبادرات التي يقودها الشباب، والمؤسسات الأكاديمية من أجل أن يكونوا صوتا موحدا بشأن القضايا الوطنية الرئيسية.

تعزيز القدرات الداخلية في مجال البحث، وتحليل السياسات، والأدوات الرقمية، والمتابعة والتقييم، وإدماج النوع الاجتماعي والإندماج الاجتماعي.

الدعوة إلى إنشاء بيئة قانونية ملائمة لعمل منظمات المجتمع المدني، بما في ذلك حرية تكوين الجمعيات والتعبير والوصول إلى التمويل.

توفير بدائل سياسات قائمة على البيانات، ورؤى مجتمعية، وخبرة فنية للتأثير على الإصلاحات بطريقة راسخة وشرعية.

 

توصيات للمنظمات الدولية والجهات المانحة

توطين التمويل محليا: التحول من نماذج التمويل من أعلى إلى أسفل إلى تمويل طويل الأمد يسهل الوصول إليه للمنظمات المحلية والشعبية، مما يقلص من الحواجز البيروقراطية.

دعم الإصلاح القانوني والسياساتي: تقديم المساعدة الفنية لمراجعة وتنفيذ السياسات التي تعزز الحوكمة الديمقراطية والحريات المدنية والتنمية الشاملة.

تعزيز حماية حقوق الإنسان: رصد القضايا المتعلقة بالمجال المدني والإبلاغ عنها وتوفير الحماية والتضامن للمدافعين عن حقوق الإنسان المهددين ووسائل الإعلام المستقلة.

تعزيز التعاون الإقليمي وعبر الحدود: تسهيل التعلم بين بلدان الجنوب والتعاون الإقليمي.

 

 

[1] Elson, D. (2002): Gender Justice, Human Rights, and Neo-Liberal Economic Policies, in: Molyneux, M. and Razavi, S. (eds) Gender Justice, Development, and Rights (Oxford University Press).

[2] Elson, D. (2002). See n. 2 above. 

[3] Christine M. and Kaldor, M. (2013): Gender and New Wars, in: Journal of International Affairs, 67(1): 167–187.

[4] Benería, Lourdes; Berik, Günseli; Floro, Maria S. (2015): Gender, Development and Globalization: Economics as if All People Mattered (New York: Routledge).

[5] Kora, Rania (2018): Feminist Economics and Post-Conflict Recovery: Rethinking Economic Governance (London: Routledge).

[6] Waring, M. (1988): If Women Counted: A New Feminist Economics (New York: Harper & Row).

[7] Institute for Economic Justice (2020): Intersectionality and feminist economics: A call for radical transformation, 25 June. Available at: https://iej.org.za/blogs/intersectionality-and-feminist-economics-a-call-for-radical-transformation/

[8] Berik, G. and Kongar, E. (eds) (2021): The Routledge Handbook of Feminist Economics (London: Routledge). 

[9] Turshen, Meredeth (2002): Algerian Women in the Liberation Struggle and the Civil War: From Active Participants to Passive Victims?, in: Social Research, 69(3): 889–911. Johns Hopkins University Press.

[10] Roberts, H. (2003): The Battlefield Algeria: Civil Conflict and the Role of Women (London, Routledge).

 

[12] Che Cheref, A. (2010). Gender and Identity in North Africa: Postcolonialism and Feminism in Maghrebi Women’s Literature. Library of Modern Middle East Studies, vol. 94. I.B. Tauris (Bloomsbury Publishing) 

[13] Cheref (2010), see n 12 above. 

[14] World Bank (ND): Gender-responsive budgeting and related resources [Collection]. World Bank Open Knowledge Repository. Available at: https://openknowledge.worldbank.org/collections/cb3b77cb-0b29-549f-b832-5d146adc92e8?spc.page=1

[15] United Nations Population Fund (UNFPA) (2022): UNFPA Algeria programme data. UNFPA Transparency Portal – Algeria [online]. Available at: https://www.unfpa.org/data/transparency-portal/unfpa-algeria

[16]United Nations Human Rights Council (2022): Report of the Working Group on the Universal Periodic Review: Algeria – Third Cycle (A/HRC/49/13) (Geneva: United Nations). 

[17] Middle East Women’s Coalition (2024): Algeria presidential election 2024: Political participation and election monitoring. Monitoring Women’s Political Participation & Elections in Africa [online]. Middle East Women’s Coalition. Available at: https://www.mewc.org/index.php/tools/political-participation-a-election-monitroing/2024-elections-monitoring/12394-algeria-presidential-election-2024

[18] 5UN Women (2024): Algeria country data: Time use and unpaid care work. UN Women Data Hub [online]. Available at: https://data.unwomen.org/country/algeria 

[19] World Bank (2024): Labor force participation rate by sex – Algeria. World Bank Data [online]. Available at: https://data.worldbank.org/indicator/SL.TLF.CACT.FE.ZS?locations=DZ

[20] UN Women Algeria Country Office (2023): Gender Equality Policy Review.

[21] Ministry of Higher Education and Scientific Research, Algeria (2023): Annual Statistical Report. Available at: www.mesrs.dz/index.php/en/home/

[22] Saada, H. (2025). More Women in Government: A Powerful Signal for Female Empowerment in Algerian Politics. DzairTube. Retrieved from, 14.Dec-2025 https://www.dzair-tube.dz/en/more-women-in-government-a-powerful-signal-for-female-empowerment-in-algerian-politics/ دزاير توب

[23] Himayati is A New Opportunity for CSOs to Strengthen Gender‑Based Violence Response in Algeria. (2025, September 16). EU SEE/Hivos. Himayati” (“My Protection”) to allow women to report violence securely, access support, and connect with key institutions. For more information See: Himayati: A New Opportunity for CSOs to Strengthen Gender-Based Violence Response in Algeria - Eu SEE

[24] United Nations Economic and Social Commission for Western Asia (UNESCWA) (2024): SDG 5: Achieve gender equality and empower all women and girls, in: Arab Sustainable Development Report 2024 (Beirut, UNESCWA, pp. 113–135). Available at: https://www.unescwa.org/sites/default/files/pubs/pdf/arab-sustainable-development-report-2024-english.pdf.

[25] Algeria Invest (2024): Budget 2025: cinq secteurs concentrent l’essentiel des dépenses de l’État. Algeria Invest [online]. Available at: https://algeriainvest.com/fr/premium-news/budget-2025-cinq-secteurs-concentrent-lessentiel-des-depenses-de-letat

[26] Algeria Invest (2024), see n 23 above. 

[27] UNFPA Algeria (2017): Advocacy for Algeria’s procurement of commodities. UNFPA Algeria [online]. Available at: https://algeria.unfpa.org/en/advocacy-algerias-procurement-commodities

[28] Ghanem, D. (2021): Algeria: War Against Women. Middle East Institute [online]. Available at: https://www.mei.edu/publications/algeria-war-against-women

[29] EuroMed Feminist Initiative (EFI-RCSO) (2020): Algeria. EFI-RCSO [online]. Available at: https://www.efi-rcso.org/index-page/algeria

[30] World Health Organization (WHO) (2021): Noncommunicable Diseases Country Profiles 2021: Algeria. WHO [online]. Available at: https://www.who.int/publications/m/item/ncd-country-profiles-2021

[31] Chabane, R. and Khelifa, A. (2024): Quality of life in Algeria: reality and perspective. ResearchGate [online]. Available at: https://www.researchgate.net/publication/390632992_Quality_of_life_in_Algeria_reality_and_perspective

[32]Le journal féministe Algérien.

[33]APS (2024): نسبة الولادات القيصرية في الجزائر تتجاوز 60 بالمئة. Algerie Presse Service. Available at: https://www.aps.dz/ar/algerie/1315760

[34]Ultra Algeria (2023): الولادة القيصرية في الجزائر: ممارسات ربحية تهدد الصحة العمومية. UltraAlgeria. Available at:

[35] World Health Organization (WHO) (2015): WHO Statement on Caesarean Section Rates. WHO [online]. Available at: https://www.who.int/publications/i/item/WHO-RHR-15.02

[36] Benaissa, A. and Belhadi, S. (2021): Prevalence and Determinants of Caesarean Sections in Algeria, in: International Journal of Reproduction, Contraception, Obstetrics and Gynecology, 10(7): 2655–2660Available at: https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/33786693

[37] Annasr Online (2022): الشق المهبلي: عنف طبي مسكوت عنه في الجزائر. ."Annasr is a local  News Paper on 02.09.2022. Available at: https://www.annasronline.com/193931-2022-02-09-20-50-25.

 

[38] Ministry of Labour and Social Security (MTESS) (2025): قانون الأمومة الجديد., MTESS. Available at: https://www.mtess.gov.dz/ar

[39] International Labour Organization (ILO) (2023): Maternity protection resource package: From aspirations to reality for allhttps://webapps.ilo.org/public/libdoc/ilo/2012/112B09_56_engl.pdf

[40] Government of Rwanda (ND): Social Transformation. Available at: https://www.gov.rw/highlights/social-transformation

[41] U.S. Department of State. (2010). Trafficking in persons report 2010: Country narratives – Countries N through Z. Archived from the original on June 17, 2010. Retrieved February 19, 2023, from https://2009-2017.state.gov/j/tip/rls/tiprpt/2010/

 

[42] IMF (2023): Gender Budgeting Practices in Sub-Saharan Africa, in: Lisa L Kolovich and Monique Newiak (eds) Gender Equality and Economic Development in Sub-Saharan Africa (Chapter 16). Available at: www.elibrary.imf.org/display/book/9798400246968/CH016.xml

[43] Binagwaho, A., et al. (2016): Early childhood development in Rwanda: a policy analysis of the human rights legal framework, in: BMC International Health and Human Rights, 16(9). Available at: https://bmcinthealthhumrights.biomedcentral.com/articles/10.1186/s12914-016-0076-0

[44] UNFPA Rwanda (2021): UNFPA and Ministry of ICT Join Forces to Harness Technology for Gender Equality and Reproductive Health, UNFPA in Rwanda, 26 March. Available at: https://rwanda.unfpa.org/en/news/unfpa-and-ministry-ict-join-forces-harness-technology-gender-equality-and-reproductive-health

[45] Gender Monitoring Office (n.d.): Overview. Available at: https://www.gmo.gov.rw/about-gmo/overview

[46] OECD (2022): Gender-responsive budgeting. Available at: https://www.oecd.org/gov/budgeting/gender-responsive-budgeting.htm

[47] World Bank (2018). UNDP (2020): Gender-Responsive Budgeting in North Africa: Challenges and Opportunities.

[48]Inter-Parliamentary Union (2020): Women in politics: Rwanda’s leadership role. Available at: https://www.ipu.org/file/11349/download

[49] Human Rights Watch (2021): Algeria: Effort to dissolve prominent civic association [Online]. New York. 11 October. Available from: https://www.hrw.org/news/2021/10/11/algeria-effort-dissolve-prominent-civic-association

[50] Cheriet, B. (1996): Gender, civil society and citizenship in Algeria. Middle East Report 198 (Spring 1996). Available at: https://merip.org/1996/03/gender-civil-society-and-citizenship-in-algeria/ 

[51] Gender Monitoring Office (2019): The state of gender equality in Rwanda: from transition to transformation. March. Available at: https://e-ihuriro.rcsprwanda.org/wp-content/uploads/2023/06/THE-STATE-OF-GENDER-EQUALITY-IN-RWANDA-FROM-TRANSITION-TO-TRANSFORMATION.pdf

[52] Charrad, M.M. (2001): States and women's rights: the making of postcolonial Tunisia, Algeria, and Morocco (Berkeley, University of California Press).

[53] Elson, Diane (2013): Gender Equality and Economic Policy: A Feminist Perspective.

 

 

Would you like to contribute to this blog?

Share your ideas with our team!

info.mena@fes.de