19.01.2026

الموازنة بين المقاربة الهيكلية والسلوكية لاقتصاديات الرعاية في الأردن وتونس

تشمل اقتصادات الرعاية أعمال الرعاية، مثل رعاية الأطفال والأعمال المنزلية ورعاية أفراد الأسرة الآخرين، بالإضافة إلى المجموعة الواسعة من الديناميكيات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المتعلقة بتوفير الرعاية وتنظيمها، بما في ذلك الأنظمة والسياسات الرسمية وغير الرسمية التي تدعم الأنشطة سالفة الذكر.

 

تشمل اقتصادات الرعاية أعمال الرعاية، مثل رعاية الأطفال والأعمال المنزلية ورعاية أفراد الأسرة الآخرين، بالإضافة إلى المجموعة الواسعة من الديناميكيات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المتعلقة بتوفير الرعاية وتنظيمها، بما في ذلك الأنظمة والسياسات الرسمية وغير الرسمية التي تدعم الأنشطة سالفة الذكر.

مقدمة

إن أعمال الرعاية، التي تُعرف على أنها عمل مادي وعاطفي (عادة ما يكون غير مدفوع الأجر)، مثل تربية الأطفال، والحفاظ على الأُسر، ورعاية المسنين، ضرورية لإعادة إنتاج الأنساق الاجتماعية (المعروف أيضًا باسم "إعادة الإنتاج الاجتماعي "). ونظرًا لأن النساء هن من يؤدين عادة هذا العمل غير مدفوع الأجر، فإن أعمال الرعاية في شكلها الحالي تمثل أيضًا أداة للحفاظ على أوجه عدم المساواة بين الجنسين. تشمل اقتصادات الرعاية أعمال الرعاية، مثل رعاية الأطفال والأعمال المنزلية ورعاية أفراد الأسرة الآخرين، بالإضافة إلى المجموعة الواسعة من الديناميكيات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المتعلقة بتوفير الرعاية وتنظيمها، بما في ذلك الأنظمة والسياسات الرسمية وغير الرسمية التي تدعم الأنشطة سالفة الذكر.

 

في جميع أنحاء العالم، يُمثل الافتقار إلى مرافق رعاية الأطفال أحد أكثر العوائق التي لا تزال تعيق الانخراط الكامل للمرأة في سوق العمل. وتتضاعف حدّة هذه الظاهرة في  الدول العربية. تُشير نتائج الدورة الأخيرة من مسوحات “الباروميتر العربي” إلى أن النساء يدرجن غياب مرافق رعاية الأطفال الميسرة، وذات الجودة، وبالتكلفة المناسبة، ضمن أبرز عائقين يحولان دون انخراطهن في سوق الشغل] .[1   تشير النساء اللواتي شملهن الاستطلاع من الأردن (43 ٪) وتونس(41٪) إلى أن القدرة على تحمل تكاليف رعاية الأطفال هي العائق الرئيسي، ولا سيما أن "المخاوف بشأن التكلفة لا تتضاءل من حيث الأهمية حسب الدخل] .[2 .  كما  تُشير نتائج “الباروميتر العربي” إلى أن النساء في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يقضين عشرة أضعاف عدد الساعات التي يقضيها الرجال في أعمال الرعاية غير مدفوعة الأجر، ويؤدين أعمالاً في هذا المجال تزيد بمقدار 4.7 مرة عنهم — وهو اتجاه تعززت حدته خلال جائحة كوفيد-19. كما كشف أحدث استطلاع للرأي عن تراجع في مستوى التأييد لمنح المرأة دوراً في صنع القرار داخل الأسرة، أو حصولها على فرص عمل متساوية خارج المنزل .[3]تُعرّف أعمال الرعاية أيضًا على أنها واحدة من الحواجز الرئيسية أمام انخراط المرأة في سوق العمل في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، والتي تُسجل واحدة من أدنى المعدلات على مستوى العالم. في خضم هذا السياق، كيف تنظر النساء في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى احتياجاتهن فيما يتعلق  بالانخراط في سوق العمل، وما هي سياسات وممارسات العمل اللازمة لبناء اقتصاد رعاية مستدام؟   

تشتمل هذه الورقة على تقييم مقارن للسياسات الاقتصادية المتعلقة بأعمال الرعاية وإعادة الإنتاج الاجتماعي، والمعروفة أيضًا باسم "سياسات التوفيق بين العمل والأسرة"، في دولتين من دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وهما الأردن وتونس. [4]تم اختيار دراستي الحالة هاتين لأن كل منهما تمثل مثالاً لبلد معدل انخراط المرأة في سوق عمله إما أقل أو أقل بكثير من المتوسط العالمي. ستقدم هذه الورقة بعد ذلك توصيات تتعلق بالسياسات، وتجمع بين المقاربة التي تعطي الأولوية لإدماج المرأة في الاقتصاد الحالي واقتراح تغييرات في الهيكل الاقتصادي لجعله يصُبُّ في صالحها، وتفكيك التقسيمات التقليدية القائمة على النوع الاجتماعي ومفاهيم العمل الموروثة، وهو ما أطلق عليه البعض وصف 'الإصلاحات غير الإصلاحية ".5] ]من  الضروري ألا تتغلب دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على الحواجز الهيكلية التي لا تزال قائمة فحسب، بل أن تتجاوز أيضًا على الحواجز السلوكية التي يمكن أن تُضاعف، عن غير قصد، من عبء العمل (الرسمي وغير الرسمي) الذي يمنع المرأة من تحقيق استقلالها الاقتصادي. 

السياق: انخفاض مشاركة القوى العاملة النسائية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

وفقاً لأحدث تقديرات البنك الدولي، فإن معدل مشاركة المرأة في القوة العاملة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا منخفض، حيث يصل إلى 20.4%.[6] ومع ذلك، ثمة تباين ملحوظ داخل المنطقة، فدول الخليج مثل البحرين (44.1%)، والكويت (47.6%)، وقطر (64.1%)، والإمارات العربية المتحدة (55.4%) تتجاوز المتوسط العالمي أو تقترب منه. وفي المقابل، تسجل كل من الجزائر (16.8%)، ومصر (16.5%)، والعراق (11.4%)، والأردن (14.0%)، وسوريا (14.1%)، وفلسطين (18.9%)، والمغرب (19.8%) معدلات أدنى بكثير من ذلك. وفي منطقة وسطى، نجد المملكة العربية السعودية (34.5%)، وتونس (26.9%)، وليبيا (34.8%)، ولبنان (27.5%)، حيث تمثل كل منها حالة فريدة إلى حد ما.7  وعند النظر إلى النساء العاملات في المنطقة، يُلاحظ أنه في الأردن، يتوزع التشغيل بالتساوي تقريباً بين القطاع العام والقطاع الخاص (الذي يضم، من بين أمور أخرى، الشركات العائلية والزراعة والمنسوجات)، بينما تظهر النساء في تونس تفضيلاً واضحاً للعمل في القطاع العام. .8 

لقد باتت الجدوى الاقتصادية لزيادة مشاركة المرأة في سوق العمل مثبتة على نطاق واسع.، حيث تظهر الأبحاث التي أجراها صندوق النقد الدولي (IMF) أن مشاركة المرأة في سوق العمل أمر جوهري لتعزيز النمو وتحسين الإنتاجية وزيادة الدخل .9  عندما تلتحق المرأة  بسوق العمل، فإنها تُدعمه  بمهارات جديدة وتوجه دخلها المكتسب حديثًا نحو تلبية احتياجات الأسرة، مما يعزز العرض على مستوى العمل، ويرفع مستويات دخل الأسرة، ويحفز الاستهلاك. ومن شأن سد الفجوة بين الجنسين في سوق العمل أن يعزز الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 8.2 ٪ في الأسواق الناشئة، و 7.1 ٪ في البلدان النامية منخفضة الدخل، و 5.4 ٪ في الاقتصادات المتقدمة .10 ولقياس ذلك بطريقة أخرى: في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، يمكن إضافة 2.7 تريليون دولار أمريكي إلى الناتج المحلي الإجمالي الإقليمي و 28 تريليون دولار أمريكي إلى الناتج المحلي الإجمالي العالمي .11

لقد وجّهت الباحثات النسويات انتقادات جدّية للعاملين في مجال التنمية الدولية وصنّاع السياسات لترويجهم لشكل من أشكال النسوية “النيوليبرالية”، التي تحصر تمكين المرأة في مشاركتها الاقتصادية وقدرتها الاستهلاكية .[12]  بيد ـأنه لا يمكن أن ننكر أن  انخراط النساء في سوق العمل الرسمي ، يمنحهن القدرة على نيل حقوقهن الكاملة، بما في ذلك الوصول إلى الخدمات الاجتماعية وصنع القرار، وصولاً إلى امتلاك زمام السيطرة على رأس مالها وجهدها المهني.تعمل النساء بالفعل، ولكن  بوصفهن مقدمات رعاية غير مدفوعة الأجر. على هذا النحو، لا يؤخذ عملهن بعين الاعتبار في الإحصاءات الوطنية ولا يوفر لهنّ بعض الحقوق الاقتصادية مثل الوصول إلى الخدمات الاجتماعية. علاوة على ذلك، لا تستطيع النساء مراكمة الثروة من خلال أعمال الرعاية التي تقمن بها على عكس الرجال الذين يستطيعون مراكمة الثروة من خلال العمل الرسمي. يمثل هذا التناقض عاملا من العوامل التي تؤدي لاستدامة  عدم المساواة بين الجنسين.على الرغم من أن زيادة مشاركة المرأة في القوة العاملة قد تخدم النساء على المستوى الفردي، إلا أنها لا تغير المنطق البنيوي الذي يحكم أعمال الرعاية غير مدفوعة الأجر التي تقع أعباؤها بشكل غير متناسب على عاتق المرأة. إن السياسات النسوية الرامية إلى تفكيك القوالب الجندرية المرتبطة بأعمال الرعاية لن تكتفي بتغيير المواقف المجتمعية فحسب، بل ستفضي إلى إحداث تغيير هيكلي تحويلي.

تونس: التغير في المواقف 

في تونس، حيث يبلغ معدل  انخراط النساء في سوق العمل ٪26.9، تبدو سياسات الموازنة بين العمل والأسرة شاملة تمامًا  من الناحية النظرية.[13]  ففي عام 2024، قامت تونس بتحديث سياسات الإجازة الوالدية والمزايا ذات الصلة، حيث بات يحق للمرأة الحصول على إجازة أمومة تصل إلى 15 يوماً قبل الولادة وثلاثة أشهر بعدها، بينما يحق للرجل الحصول على سبعة أيام فقط في المجمل. ومع ذلك، لا تزال هناك فوارق ملموسة بين القطاعين العام والخاص، ففي القطاع العام، يحق لكل من النساء والرجال الحصول على راتب كامل كتعويض، بينما لا يحق للعاملين في القطاع الخاص سوى الحصول على منحة محدودة من صندوق الضمان الاجتماعي تعادل ثلثي متوسط الأجر اليومي، وبسقف لا يتجاوز ضعف الحد الأدنى للأجور. من حيث ضمان الحق في العودة إلى الوظيفة بعد الولادة، يكفل القانون الجديد  الأمان الوظيفي ويمنع الفصل من العمل بسبب هذه الإجازة .[14]  غير أن النساء العاملات في القطاع الخاص، وخصوصاً في المؤسسات العائلية الصغرى (6.5%) والوسط الريفي (32.3%)، قد يجدن أنفسهن محرومات من هذه الضمانات، نظراً لضعف التنظيم القانوني أو غياب آليات الرقابة الفعالة على هذه القطاعات .[15] 

إذا ما تأملنا عن كثب وضع النساء الريفيات، فعادة ما يعملن دون مقابل في الشركات العائلية في قطاع الزراعة ولديهن مسؤوليات إضافية، مثل "جلب المياه إلى الأسر، وهي مهمة ريفية نموذجية غير مدفوعة الأجر، وهي تتسم بالصعوبة لأنها تعني المشي لساعات والتعرض للحرارة في الصيف والبرد في الشتاء". 16 علاوة على المشقة التي تنطوي عليها هذه المسؤولية، تستغرق هذه المهام وقتًا طويلاً. في الواقع، أظهرت دراسة أجريت عام 2006 أن النساء في تونس يقضين حوالي خمس ساعات يوميًا في العمل المنزلي مقارنة بـ 39 دقيقة للرجال. في عام 2017، أظهرت دراسة أخرى أن الفتيات يقضين 6.4 ساعة في الأسبوع في العمل المنزلي مقارنة بـ 4.9 ساعة للفتيان.[17] كما بيّنت  دراسة أجرتها هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن نسبة الوقت المستغرق في الأعمال المنزلية وأعمال الرعاية غير مدفوعة الأجر، حسب الجنس والعمر والموقع، تختلف، حيث تراوحت النسبة لدى النساء بين 1.67% و21.94%، مقابل 0.35% إلى 2.7% فقط لدى الرجال .[18]

بدأت المواقف الثقافية من تقسيم العمل المنزلي تشهد تغيرا. فوفقا لاستطلاع البارومتر العربي السابع، أفاد  17.4% من المجيبين بأن مساعدة الأطفال في الدراسة تقع على عاتق ربة الأسرة، بينما رأى 73.1 % إنه يجب تقسيم هذه المسؤولية بالتساوي بين رب الأسرة وربتها، في حين اعتبر 6.3% أنها مسؤولية رب الأسرة (الرجل). وفيما يخص وضع الميزانية والإنفاق المنزلي، ذكر 9.6% أنها مسؤولية المرأة، و34.5% أنها تقع على عاتق الرجل، بينما رأى 54.7% ضرورة تقسيمها بالتساوي.[19] وأظهر استطلاع عام 2021، رداً على عبارة 'رعاية المنزل والأطفال هي المسؤولية الأساسية للمرأة'، أن 18.6% يُؤيدون بشدة هذه الفكرة، و أيدها 32.9% ،  مقابل معارضة 26.9% لهذه الفكرة، هذا وقد عارض 20.4% بشدة هذه المقولة .[20] إن حمل أغلبية المشاركين لرؤى منصفة من زاوية النوع الاجتماعي نسبياً فيما يتعلق برعاية الأطفال وإدارة المنزل هو أمر واعد، فهو يشير إلى أن المواقف الثقافية تتغير بوتيرة أسرع مما هي عليه داخل الهياكل الحكومية والاقتصادية.

في عام 2010، اعتمدت تونس استراتيجية وطنية تهدف إلى تمكين المرأة اجتماعيًا واقتصاديًا عبر برامج شملت الاكتفاء الذاتي الغذائي والوصول إلى الرعاية الصحية والخدمات العامة. بيد أن ربط هذه الإجراءات باستراتيجية وطنية لمكافحة العنف القائم على النوع الاجتماعي قد حدَّ من نطاقها وقدرتها على استهداف انخراط النساء في سوق العمل بشكل مباشر .[21]  ومنذ ذلك الحين، تراجع الرئيس قيس سعيد عن المكاسب التي تحققت بشق الأنفس في مجال حقوق المرأة، مما جعل من الصعب على النساء الترشح للمناصب السياسية بشكل خاص، وفشل في تعديل قوانين الميراث غير المتكافئة أو تخصيص موارد حكومية لمكافحة العنف القائم على النوع الاجتماعي، وإلغاء البند 20 من الدستور الذي يضمن التكافؤ بين الجنسين في تعيين كبار المسؤولين الحكوميين .[22]لا تشعر النسويات التونسيات بالتفاؤل حيال المكاسب التي يمكن تحقيقها في هذا " النكوص الديمقراطي"، خاصة بعد أن دمج دستور سعيد لعام 2022 الدولة والدين .[23] ففي  حين يغيب الدعم الحكومي لتعزيز انخراط المرأة في سوق العمل عبر تفعيل سياسات التوفيق بين العمل والأسرة، فأن المواقف السوسيو-ثقافية تجاه أعمال الرعاية تتسم بقدر نسبي من المساواة بين الجنسين.

الأردن: التغيير الهيكلي 

يعد الأردن حالة فريدة من نوعها في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث أنه يتمتع بأحد أدنى مستويات انخراط النساء في سوق العمل (أقل من %14 ) .[24]  في أحدث استطلاع أجراه البارومتر العربي، أشارت 33.5 % من النساء اللواتي شملهن الاستطلاع في الأردن إلى أن الافتقار إلى الخدمات المتعلقة برعاية الأطفال هو أكبر عائق أمام دخولهن إلى سوق العمل.

في إطار رؤيته للتحديث الاقتصادي، يهدف الأردن إلى زيادة معدل انخراط المرأة في سوق العمل إلى 28 % بحلول عام 2033. [25]  طرحت الحكومة في إطار خطتها الوطنية جملة من التشريعات والبرامج لمعالجة قضية رعاية الأطفال. وفقًا لممثل البنك الدولي المقيم في الأردن “هولي بينر” الذي كتب في "جوردان تايمز"، يوجد في البلاد قرابة 1200 حضانة، معظمها مؤسسات عامة. ومع ذلك، فإن هذه الحضانات " تستوعب أقل من 3 % من الأطفال دون سن الخامسة".[ 26]في القطاع الخاص، إذا كانت الشركة توظف أكثر من 20 امرأة متزوجة، فمن المفترض، وفقًا لتشريعات المهنية، أن توفر تسهيلات لرعاية الأطفال دون سن الرابعة. ولكن، من الناحية العملية، لا تفي هذه الشركات بهذه العتبة .[27]  ومنذ ذلك الحين تم تعديل القانون الذي يشترط على جميع الشركات الخاصة توفير خدمة الرعاية الخاصة بالأطفال إذا كان لديها 15 موظفًا أو أكثر، بغض النظر عن جنس هؤلاء الموظفين او حالتهم الاجتماعية .[28]  يسعى المجلس الوطني لشؤون الأسرة إلى إحداث ما لا يقل عن 80 مركزاً لخدمات الطفولة، ضمن آلية تلتزم بموجبها شركات القطاع الخاص بتحمل نصف أجور العاملين في هذه الفضاءات لمدة عام كامل .[29]هذا ولا يزال الوصول إلى معظم هذه المرافق متعذراً، مالياً وجغرافياً، بالنسبة لغالبية الأردنيين. 

على الرغم من جهود الحكومة لتلبية الطلب على خدمة رعاية الأطفال، لا تزال بعض التحديات الهيكلية قائمة في الأردن. عندما يتعلق الأمر بسياسات الإجازة الوالدية، لا تزال السياسة الخاصة بالمرأة تمنحها أقل من 12 أسبوعًا فقط من الإجازة الوالدية (عشرة أسابيع للنساء في القطاع العام و 90 يومًا للنساء في القطاع الخاص)، مع ثلاثة أيام فقط للرجال. ومع ذلك، فإن النساء اللواتي يحصلن على إجازة والدية يتم تعويض بنسبة 100 % من رواتبهن من خلال "نظام التأمين الاجتماعي".[30] تقتصر  مدة الحماية من الطرد الوظيفي على أسبوعين فحسب، مع غياب أي ضمانات قانونية تكفل للمرأة حق العودة إلى منصبها  .[31]

علاوة على افتقار الأردن لخدمات رعاية الأطفال الكافية وسياسات إجازة الوالدين، ثمة تأييد متجذر لمنح النساء المسؤولية الأكبر عن العمل المنزلي. فوفقاً لاستطلاع البارومتر العربي لعام 2023، يرى 34.1% أن مساعدة الأطفال في الدراسة هي مهمة ربة الأسرة، مقابل 52.7% يؤيدون التشارك المتساوي، بينما تقتصر نسبة من يلقون بهذه المهمة على الرجل على 3.5% فقط. وفي استطلاع سابق، أيدت أغلبية واضحة (نحو 63.9%) مقولة إن 'رعاية المنزل والأطفال هي المسؤولية الأساسية للمرأة'، بينما لم يعارض هذا الطرح سوى 36%. ومن المثير للاهتمام أن اتخاذ القرار بشأن الميزانية والإنفاق يميل بوضوح نحو الرجل، حيث اعتبر 43.3% أنه من اختصاص رب الأسرة، مقابل 8.4% فقط لربة الأسرة، في حين فضل 46.2% تقسيم المسؤولية بالتساوي.

وقد عملت بعض الدراسات على قياس الوقت المستغرق في رعاية الأطفال وغير ذلك من أشكال أعمال الرعاية، مثل إدارة شؤون المنزل. وفقاً لدراسة صادرة عن منظمة 'النهضة العربية' (ARDD)، فإن الفجوة في توزيع وقت الرعاية شاسعة حيث تقضي النساء 19 ضعفاً من الوقت الذي يقضيه الرجال في مهام الرعاية. رأت الدراسة نفسها أنه في الأردن، تعتبر 51.3 % من النساء فوق سن 15 عامًا أن أعمال الرعاية هي نشاطهن الأساسي.[32]  من حيث الوقت الفعلي المستغرق، خلُصت دراسة أجريت عام 2016 أن النساء المتزوجات يقضين 26.7 ساعة في الأسبوع في أعمال الرعاية، وبالنسبة للنساء اللواتي لديهن أطفال دون سن الثالثة، زاد هذا الوقت بمقدار 5.2 ساعة في الأسبوع .[33]  وفي الأردن، وعلى نقيض الحالة التونسية، تُحرز هياكل الدولة والمنظومة الاقتصادية تقدماً أسرع بكثير من تطور المواقف السوسيو-ثقافية. على الرغم من نجاح المقاربة الفوقية في إرساء دعائم شبكات الحماية الاجتماعية، إلا أن فاعليتها تظل رهينة اقترانها بنصوص وإجراءات قادرة على إحداث تحول في المفاهيم والأعراف المجتمعية.  

الاستنتاجات والتوصيات 

بناءً على عدد النساء العاملات في القطاع العام في جميع أنحاء المنطقة، يجب على الحكومات الاستثمار في البنية التحتية العامة الخاصة بمرافق رعاية الأطفال. بيد أنه، ومع توجه الدول نحو التنويع الاقتصادي وتقليص الارتهان للقطاع الحكومي، لا بد من ممارسة ضغوط وجهود منسقة لإلزام القطاع الخاص بتبني معايير الموازنة بين الحياة المهنية والعائلية المعمول بها في الوظائف الحكومية. 

تم اقرار سياسات أخرى بهدف مساعدة المرأة على تحقيق التوازن بين العمل الرسمي وأعمال الرعاية أو، على الأقل، التخفيف من عبء أعمال الرعاية. على سبيل المثال، بعد جائحة كوفيد-19، أصبح العمل من المنزل/العمل عن بعد وساعات العمل المرنة هو القاعدة. قد تحرر هذه السياسات بالتأكيد بعض الوقت الذي تقضيه النساء في المكتب أو التنقل، إلا أنها لا تعيد هيكلة التوازن بين الجنسين في أعمال الرعاية جوهريا. وقد يكون لهذه السياسات آثار سلبية، مثل تعزيز المعايير الجنسانية فيما يتعلق بمسؤولية المرأة عن رعاية الأطفال بالإضافة إلى عملها مدفوع الأجر. 

تُعد برامج الدعم النقدي والتحويلات المالية المباشرة من بين اكثر السياسات المقترحة تداولا. كشفت نتائج استبيان منظمة النهضة العربية حول البدائل المفضلة لتنظيم أعمال الرعاية لدى الأردنيات أن قرابة نصف المستطلعات (46.3٪)  يؤيدن فكرة 'تسعير الرعاية' عبر تقاضي مبالغ مالية مقابل هذه الخدمات. وفي المقابل، فضلت 22% الاستعانة بمصادر خارجية متخصصة، بينما اختارت 31.7% الإبقاء على الترتيبات الحالية [34]. وبناءً على هذه المعطيات، يظهر أن برامج المساعدة النقدية والمنح المرتبطة بالرعاية تمثل خطوة محورية لتخفيف الأعباء المالية عن الأسر الأردنية (بخلاف الحالة في تونس، حيث تتطور المواقف تجاه أعباء الرعاية بوتيرة أسرع). ومع ذلك، وكما هو الحال في سياسات العمل عن بُعد، يجب ألا تُعتمد المساعدات النقدية كحل معزول أو طويل الأمد، إذ قد تساهم دون قصد في تكريس حصر النساء داخل الحيز المنزلي وزيادة أعبائهن، فضلاً عن عجزها عن إحداث تحول جذري في التقسيم الجندري للعمل.

تُعد سياسات إجازة الأسرة الموسعة واحدة من أكثر التغييرات الهيكلية الواعدة فيما يتعلق بتفكيك التقسيمات الجندرية التقليدية وإعادة صياغة مفاهيم العمل. وعلى الرغم من إيجابية التعديلات الأخيرة على إجازة الوالدية في تونس، إلا أن القوانين الحالية في كل من تونس والأردن لا تزال تكرس توقعات نمطية متباينة للأدوار بين الرجال والنساء. علاوة على ذلك، ينبغي توسيع مفهوم 'إجازة الوالدية' ليشمل رعاية أفراد الأسرة المسنين وذوي الإعاقة. وإذ يتحتم تعزيز سياسات الإجازة والمزايا النقدية للمرأة، فمن الضروري أيضاً منح الرجال استحقاقات متساوية تماماً، إذ يمثل ذلك تجسيداً لمعايير جندرية جديدة، ويعزز تقسيماً للعمل محايداً بين الجنسين. إن هذا النوع من 'الإصلاحات غير الإصلاحية'، وهي السياسات التي تعالج الفجوات البنيوية بشكل مباشر مع تغيير المفاهيم السائدة تدريجياً، يمثل المقاربة الأمثل لمعالجة قضايا أعمال الرعاية.

 

[1] Roche, MaryClare (2024). Gender Attitudes and Trends in MENA: The Effects of Working Women. Arab Barometer, August. Available at https://www.arabbarometer.org/wp-content/uploads/AB8-Gender-Report-EN.pdf#page=7.79

[2] Ibid.

[3] Al-Shami, Salma and Maitha Alsuwaidi (2023). Confounding and confirming expectations on the ‘care economy’ in MENA. Arab Barometer, March 6. Available at https://www.arabbarometer.org/2023/03/confounding-and-confirming-expectations-on-the-care-economy-in-mena

[4] See: İlkkaracan, İpek (2012). Why so Few Women in the Labor Market in Turkey? Feminist Economics, vol. 18, no. 1: 1–37. 

[5] Akbar, Amna A. (2022). Non-reformist reforms and struggles over life, death, and democracy. Yale Law Journal, vol. 132: 2497–578.

[6] Ibid.

[7] Ibid.

[8] International Monetary Fund. Middle East and Central Asia Dept. (2022). Jordan: Selected Issues. IMF Staff Country Reports 2022, 222, A001; Alaref, Jumana Jamal Subhi, Samira Nikaein Towfighian, Gustavo Nicolas Paez, Mohammed Thabet M Audah. Tunisia Labor Market Field Experiment Paper. Washington, D.C.: World Bank Group. Available at http://documents.worldbank.org/curated/en/883031600275794384/Tunisia-Labor-Market-Field-Experiment-Paper

[9] Lagarde, Christine and Jonathan D. Ostry (2018). Economic Gains from Gender Inclusion: Even Greater than You Thought. IMF Blog, November 28. Available athttps://www.imf.org/en/Blogs/Articles/2018/11/28/blog-economic-gains-from-gender-inclusion-even-greater-than-you-thought; Verick, Sher (2018). Female labor force participation and development. IZA World of Labor. 

[10] Sayeh, Antoinette M.,  Alejandro Badel, and Rishi Goyal (2023). Countries That Close Gender Gaps See Substantial Growth Returns. IMF Blog, September 27. Available at https://www.cfr.org/womens-participation-in-global-economy.

[11] Ibid. 

[12] See, for example: Roberts, Adrienne (2015). The Political Economy of ‘Transnational Business Feminism’: Problematizing the Corporate-led Gender Equality Agenda. International Feminist Journal of Politics, vol. 17, no. 2: 209–31.

[13] UN Women Women Count. Country Snapshots Tunisia. Available at data.unwomen.org/arab-states/country/tunisia

[14]   Cherif, Imène (2024). Bridging Gaps: Tunisia’s New Law on Parental Benefits. Friedrich-Ebert-Stiftung Blog, October 2. Available at

mena.fes.de/blog/e/bridging-gaps-tunisias-new-law-on-parental-benefits.html

[15] Moghadam, Valentine M. (2023). Explanations for Women’s Limited Economic Participation and Empowerment in the MENA Region. Georgetown Journal of International Affairs, May 29. Available at https://gjia.georgetown.edu/2023/05/29/explanations-for-womens-limited-economic-participation-and-empowerment-in-the-mena-region/; Oxfam (2019). Counting on Women’s Work Without Counting Women’s Work. 

[16] Ibid.

[17] Ibid.

[18] UN Women (2023). Country Snapshots, Tunisia. Women CountAvailable at https://data.unwomen.org/arab-states/country/tunisia

[19] Arab Barometer, Wave VII. 

[20] Arab Barometer, Wave VI-C (2021). 

[21] Oxfam (2019). Counting on Women’s Work Without Counting Women’s Work.

[22] Ibid; Said, Ikram Ben (2023). Confronting Assault on Democracy in Tunisia. Sada Middle East Journal, Carnegie Endowment for International Peace, March 14. Available at https://carnegieendowment.org/sada/2023/03/confronting-an-assault-on-democracy-in-tunisia?lang=en; Bin Azouz, Kenza (2022). President Saied Derides the Economic and Social Rights of Tunisian Women. Human Rights Watch, September 1. Available at https://www.hrw.org/news/2022/09/01/president-saied-derides-economic-and-social-rights-tunisian-women#_ftn1; El Atti, Basma (2022). From Bourguiba to Saied: The instrumentalisation of women’s rights in Tunisia. The New Arab, March 23. Available at https://www.newarab.com/analysis/instrumentalisation-womens-rights-tunisia; El Atti, Basma (2024). Tunisia’s women focus on Saied’s ‘misogyny’ during national women’s day. The New Arab, August 14. Available at https://www.newarab.com/news/tunisia-women-protest-saieds-misogyny-national-womens-day

[23] Bin Azouz, Kenza (2022). President Saied Derides the Economic and Social Rights of Tunisian Women. Human Rights Watch, September 1. Available at https://www.hrw.org/news/2022/09/01/president-saied-derides-economic-and-social-rights-tunisian-women#_ftn1.

[24] World Bank Press Release (2023). Increasing Women’s Economic Participation is Key to Jordan’s Long-Term Growth and Development. December 19. Available athttps://www.worldbank.org/en/news/press-release/2023/12/19/increasing-women-s-economic-participation-is-key-to-jordan-s-long-term-growth-and-development#:~:text=In%20particular%2C%20the%20female%20labor,the%20lowest%20in%20the%20world

[25] Weldali, Maria (2024). ‘Care Arabia’: Creating quality childcare for working women of Jordan, Lebanon. The Jordan Times, June 6. Available at https://jordantimes.com/news/local/care-arabia%E2%80%99-creating-quality-childcare-working-women-jordan-lebanon

[26] Ibid.

[27] Khurma, Merissa (2024). Empowering Women Changemakers in the Middle East: Opportunities and Challenges. Middle East Institute panel, September 16.

[28]  Alhawarin, Ibrahim, et al. (2020). The Care Economy in Jordan: Towards Recognizing, Reducing, and Redistributing Unpaid Care Work. Policy Brief No. 3, Progress of Women in the Arab States 2020: The role of the care economy in promoting gender equality. UN Women-ILO Joint Programme. 

[29] Oxfam (2019). Counting on Women’s Work Without Counting Women’s Work.

[30] ILO Global Care Policy Portal, https://webapps.ilo.org/globalcare/.

[31] Ibid.

[32] Husseini, Rana (2022). Study gauges value of women’s unpaid care work in Jordan. The Jordan Times, January 4. Available at https://jordantimes.com/news/local/study-gauges-value-womens-unpaid-care-work-jordan

[33] Alhawarin, Ibrahim, et al. (2020). The Care Economy in Jordan: Towards Recognizing, Reducing, and Redistributing Unpaid Care Work. Policy Brief No. 3, Progress of Women in the Arab States 2020: the role of the care economy in promoting gender equality, UN Women-ILO Joint Programme. 

[34] Arab Renaissance for Democracy and Development (2021). Care Matters: The Value of Women’s Unpaid Care Work in Jordan, December.

 

 

Would you like to contribute to this blog?

Share your ideas with our team!

info.mena@fes.de