04.01.2021

الشباب ونهج الثورة في البلدان العربيَّة

شهد العام 2020، مرور الذكرى العاشرة على بدء الثورات العربيَّة التي انطلقت شرارتها الأولى من جسد الشاب التونسي محمد البوعزيزي الذي أحرق نفسه بعد أن تعرَّض للإهانة من قبل السلطات المحلية في مدينة سيدي بوزيد بعد مصادرة عربة الخضار التي كان يعتاش من خلالها، لتبدأ بذلك فصول من الثورات العنيدة في الساحات التونسية، ثم لتمتد إلى مصر وليبيا واليمن، وتقتلع جذور الأنظمة السياسيّة فيها، وتشعل النار في ساحات دول أخرى.

وفي موجة ثانية، أسهمت الاحتجاجات في تغييرات على النظام السياسي في الجزائر، وأطاحت به في السودان، ولا تزال الاحتجاجات مستمرة لغاية الآن في دول عديدة في المنطقة، تحديدًا في لبنان والعراق التي يرفض شبابها في خطاب جديد غير معهود القوى السياسية الحاكمة ورفض التدخلات الأجنبية في البلدين خصوصًا الامتداد الطائفي السياسي الذي يعمل على تقسيم البلدين وتعزيز ميليشيات السلاح التي تؤثر سلبًا في عقود الدولة الاجتماعية ووحدتها الوطنية.

كان جيل الشباب العربيّ قبل الثورة - فيما يتعلق بالشأن السياسيّ العام - متهم بصورة نمطية سلبية، بأنه جيل لا يبالي، ضعيف، فاقد للبوصلة، غير مؤهل لتبني القضايا السياسيَّة الإصلاحيَّة. ثم جاءت الثورات العربيَّة لتغيّر هذه الصورة، التي أجبرت القوى السياسيَّة والاجتماعيَّة وجموع المثقفين للاعتراف بأنَّ الجيل الشبابي الذي كان يتقدّم جموع المحتجين، ويقود الميادين، ويوجه الرأي العام في منصات التواصل الاجتماعي، هو صوت التغيير والأمل، وهو الجيل الأكثر شجاعة وقوة وتأثير من سابقيه. وبالتالي سارت المكونات الاجتماعية والسياسية خلفه، انصاعت لمنهجه، واتبعته في الميادين طيلة العقد الماضي.

الجيل والخيبة السياسية

لاتزال صورة الجيل الإيجابية حاضرة في ذهنية المجتمع العربيّ، ولكنها اختلفت في ذهنية القوى السياسيَّة، خصوصًا تلك التي حصدت نتائج الثورات والاحتجاجات، حيث تجد هذه القوى في الشباب خصمًا سياسيًا ينافسها في برامجها. وبناء على ذلك كان من مصلحتها إقصاء الجيل الشاب في اليوم الأول بعد الثورات، وإبعاده عن التواجد في مناطق صناعة القرار السياسي، وإحباط محاولات انتظامه السياسيّ؛ في سبيل منها لتحويل طاقة الجيل إلى قضايا اجتماعية واقتصادية جانبية؛ لتقوم هي بالتفرّد والسيطرة على إدارة دفة الحكم.

يذهب هنتنغتون الذي أثبتت نظريته «أحجار الدومينو» فرضتها في الثورات العربيَّة إلى أهمية التحديث عندما قال: "كلما تطورت المجتمعات كلما أصبحت أكثر تعقيداً، وإذا لم تترادف عملية التحديث الاجتماعي الذي ينتج هذا الاضطراب مع عملية تحديث سياسية ومؤسسية، وهي العملية التي تنتج مؤسسات سياسية قادرة على إدارة التحديث، فإن النتيجة تكون ازدهار العنف"، بالتالي، يفشل الانتقال الديمقراطيّ في المجتمعات التي تعيش حالة من التغيير السياسيّ إذا ما أدركت أهمية التجدد الديمقراطي والتدافع السياسيّ الذي يدمج الأجيال الجديدة في صناعة الديمقراطية وفق مبدأ ما يسمى التزاوج الجيلي.

بالرغم من إقصاء القوى السياسية جيل الشباب التونسي عن التواجد في مناطق صناعة القرار، يجد المراقبون في التجربة التونسية نموذجًا حقق شروط الانتقال الديمقراطي، وهذا ما يرفضه جيل الشباب - خصوصًا من كان منهم فاعلاً في تغيير النظام السياسي - الذي وجه وقام بمعاقبة القوى السياسيّة في تونس عندما قاطع الانتخابات البرلمانيَّة، وشارك في الانتخابات الرئاسية مطلع 2019 وساهم في تصدير رئيس تونسي جديد من خارج قائمة الأسماء المتعارف عليها، ليبدأ بذلك مسار جديد من الرفض العام للقوى التي تشكِّل المشهد السياسي، وبدأنا نشهد تطبيق عملي لنظرية «العدوى» و«المشروطية السياسية والاقتصادية» في الانتقال الديمقراطي، من خلال ما حدث في الجزائر والسودان التي تغير النظام السياسي في كل منها، بعد مشاركة شبابية واسعة وعنيدة كانت قد أصابها الخمول أو الاعتزال مدة تجاوزت 7 سنوات من العقد الأول للثورات العربيَّة.

انتقلت الاحتجاجات بشكل متسارع من شمال أفريقيا إلى المشرق العربي، تحديدًا في ثنائية لبنان والعراق التي اتخذ شبابها أيضًا شعار الإقالة الجماعية والرفض العام «كلن يعني كلن» و«نريد وطن» في انعكاس لحالة اللا ثقة التي يعيشها الشباب مع مؤسسات الدولة، مع تبني خطاب جديد أكثر جرأة يرفض التدخل الطائفي والخارجي في الشأن السياسي، ودور كل تدخل في تراكم الفساد، ولا تزال الاحتجاجات حاضرة في الشارع اللبناني مع نهاية العقد الأول للثورات العربية، بالمقابل لاتزال محافظات الجنوب العراقي تحتضن احتجاجات الشباب والمجتمع المدني رغم المضايقات من قبل الميليشيات والجماعات الدينية.

بالنسبة للشباب العربيّ، الاحتجاجات والثورات لم تنتهي بعد، حيث يشكل التردي الاقتصادي والإقصاء السياسي والتهميش الاجتماعي؛ دوافع فعلية للاحتجاج من جديد، خصوصاً في ظل صعود السلطوية مع انتشار وباء كوفيد-19 الذي استغلته أنظمة عربية للثأر من معارضيها، والتضييق على منتقديها، الأمر الذي يهيئ أرضية خصبة للفعل الاحتجاجي الجذري الذي يرفض التغييرات الشكلية والتجميلية التي لم تعد تجدي فعليًا.

###

باحث وكاتب من الأردن

هل ترغب بالمساهمة في هذه المدونة

شارك أفكارك مع فريقنا عبر البريد الإلكتروني

omar.sufan(at)fes.de

الرجوع إلى أعلى