22.03.2021

الصور النمطية.. تمييز يُمارس كأسلوب حياة!

عند تسليط الضوء على العديد من القضايا التي يعاني منها المجتمع في ليبيا و محاولة تحليل أسبابها و التحديات التي تواجهها الحلول الموصي بها , نجد في الكثير من الأحيان ان تكريس الصور النمطية او التنميط هو احد اكثر الأسباب تأثيرا في وجود هذه القضايا و استمرارها في المجتمع .

التنميط او القولبة هي نتاج طبيعي لما يحاول عقلنا البشري – ربما – للعمل عليه وهو تبسيط الأفكار و تعميمها للحصول على حكم مسبق ثابت يطلق بشكل فوري وسريع كقالب على أي مجموعة او مجتمع او فئة لمجرد اشتراكها في أمور ثابته ,كالنوع او الأصل او الجنس وغيريها ,فالرجل هو القوي الذي لا يبكي و الاب هو المسؤول عن توفير مصدر العيش, و المرأة صاحبة العاطفة و مركز الضعف و اذا كانت ام فهي المسؤولة عن الأبناء و تربيتهم وقضاء الوقت الأكبر معهم , الرجال فاشلون في الأمور المنزلية و النساء لا تجيد القيادة و شعب تلك الدولة غير ودود اما المصابين بذلك المرض فهم مخيفون أو غير قادرين و الشعوب الغربية هي شعوب لا تعرف الحشمة و الي اخره من القوالب الجاهزة التي استسهل الناس استخدامها .

كيف تشكلت تلك القوالب؟

الموضوع يعتمد على عدة عوامل و أسباب تتباين في شدتها , فالكثير من الصور النمطية هي موروث اجتماعي تراكمي ناتج عن العادات و التقاليد و الثقافة التي يتوارثها المجتمع بشكل متكرر من شخص الي اخر, و تؤدي في أحيان كثيرة و بشكل عفوي الي تشكل أنماط ثابته تتعزز شدتها اذا ما ارتبطت بمفاهيم اعتاد عليها المجتمع خاصة اذ كان مصدرها ما يعرف بالمبادئ السامية في ذلك المجتمع و التي تكون نابعة في الغالب من أساس ديني أو عرفي متوارث منذ سنين طويلة و من الخطورة بمكان المساس به .

و قد بات جلياً ان المستوى التعليمي و الثقافي و المستوى المادي و الأصل و الفصل لا يمكن ان تنأى عن ممارسة عادة التنميط و استخدام القوالب الجاهزة للصور النمطية من قبل الافراد المكونين للمجتمعات التي ينتشر فيها التنميط , فمع الأسف كسر هذه الصور يواجه بالكثير من التحديات ,و لأنها تعتمد بشكل أساسي على تغيير فكرة الشخص نفسه , و التي على الأرجح انها قد تكونت على مدى سنوات تُجاه عادة أو فئة او مجموعة او جنس معين , الي جانب غياب العوامل التي كان من الممكن أن تكون مساعدة في العمل على القضاء على صورة نمطية معينة او فكرة التنميط بشكل عام ,كوسائل الاعلام المنتشرة خاصة في مجتمعاتنا, و التي ساهمت بإنتاجها المتنوع في الكثير من الأحيان الي تثبيت الصور النمطية و تعزيز انتشارها بل و انتقالها من جيل الي اخر , فبرامج الاسرة و الموضة و الفن و المرأة في اغلب الأحيان تقدمها مذيعة امرأة على خلاف برامج الرياضة و السيارات و البرامج التي تستدع التنقل او السفر فمقدم البرنامج هو رجل في الغالب , ولا نستثني المواضيع التي تناقش في هكذا وسائل و نوع وطريقة النقاش فيها ,كاستخدام تعبيرات و جمل مُنمطة و مُعززة لأفكار خاطئة بل في احياناً كثيرة تستخدم كمبرر لأفعال تصنف اليوم كجرائم مثل التحرش ( فلو لم تخرج من بيتها لما تعرض لها احد ) في محاولة تأكيد للقالب المشهور ان افضل مكان للمرأة هو بيتها , الي جانب الانتاجات التلفزيونية و السينمائية التي عملت بشكل واضح على تكريس العديد من الصور النمطية في سياقاتها الدرامية بحيث تقوم بتقديمها الي المتلقي على انها الصورة الصحيحة و المفروضة لما يجب ان يكون , فهم البنات للممات , و الرجل لا يعيبه شيئ !

المرأة اول من يُذكر !

يظن الكثير ان تأثير انتشار ظاهرة التنميط و استفحال عديد الصور النمطية و اعتياد المجتمع عليها هي مسألة مبالغ بها و ربما غير ملموسة , و مع الأسف فالتراكمات الناتجة عن استخدام هذه الظاهرة و تناقلها يمكن ملاحظتها اذا اردنا ,فتأثيراتها مستشرية ولها ابعاد خاطئة من المهم العمل على تصحيحها , و غالباً عندما يُذكر التنميط تذكر المرأة فالمرأة خاصة في مجتمع مثل المجتمع الليبي هي المتضرر الأكبر من هذه الظاهرة سواء بشكل مباشر مقصود او بشكل غير مباشر , ففي دراسة قام بها مركز جسور للدراسات بالتعاون مع مؤسسة فريدريش ايبرت بعنوان المرأة في سوق العمل الليبي بينت مجموعة من المشاركات في مجموعات التركيز الداعمة للدراسة انه على سبيل المثال من العوامل الاجتماعية التي قد تكون سبب مباشراً في انخفاض مشاركة المرأة في سوق العمل في ليبيا هي انتشار ظاهرة التنميط واستخدام الصور النمطية السائدة و التي باستعراضها مع المشاركات في الجلسات أكدت أن المجتمع يطلق أحكام مسبقة على المرأة بسبب صورة تقليدية لا تعكس بالضرورة واقعها, و في محاولة حصر الصور النمطية المتكررة تبين ان اغلب المشاركات في مجموعات النقاش على هامش الدراسة المذكورة تعرضن لأحكام مسبقة في العمل بسبب التنميط و تكرار الصور النمطية, و التي كان ابرزها ان "الفتاة العزباء تبحث عن فرص للزواج في أماكن العمل" و "أن المرأة العاملة تعجز عن خلق توازن بين العمل و الوظائف المنزلية " "وأن المرأة عدوة المرأة" الي جانب الصورة النمطية التي تكرس فكرة ان العمل الإداري يناسب طبيعة المرأة أكثر , و غيرها من الصور المتأصلة و التي تحولت و مع الأسف الي ثقافة مزروعة في المجتمع غير مدركين الاثار المترتبة على انتشارها ولعل محدودية مشاركتها في سوق العمل احد هذه الاثار وليس الوحيد فاستمرار ظاهرة العنف القائم على النوع الاجتماعي مثلاً وصعوبة العمل على الحد منها احد اهم أسبابه هو الصورة النمطية التي بررت وبشكل متكرر تعرض المرأة للتعنيف من قبل الرجل بحجة انها غير مؤهلة و تحتاج دائما الي وصي عليها لا بأس في ان يعنفها اذا ما أخطأت !

انا هنا لا اسلط الضوء على المرأة كضحية وحيدة للتنميط , فتأثير التنميط و تداول الصور النمطية بين شعوب المجتمعات في منطقتنا على الرجال اراه لا يقل سلبية عن تأثيره على المرأة , مع التباين في النتائج المترتبة عنه طبعاً و التي قد تؤدي في أحيان كثيرة الي فقدان المرأة لحقوقها او اجبارها على التنازل عن هدف او شغف تسعى له, لكن ما يعانيه الرجل في مثل مجتمعنا الليبي و الذي لا يختلف عن باقي مجتمعات منطقة الشرق الأوسط و شمال افريقيا هو الضغط الممارس عليه بسبب انتشار العديد من الصور النمطية المتعلقة به فالرجل عندنا يجب ان يتمتع بالشهامة و الشجاعة و روح المبادرة وكأنها صفات بيولوجية لا صفات شخصية من الممكن ان تتمتع بها المرأة أيضا , و هذا الضغط الممارس عليه يجعل للرجل قالب و صورة ثابته لا يجب ان تتغير و كأنها تستنسخ مع الوقت فنجد العديد من النماذج لرجال واجهوا هذه الصورة فمنهم من تقبلها وعاش بها متخليا عن أسلوب حياة كان يتمنى عيشه او مستغنياً عن شغف او طموح رغب في تحقيقه و منهم من تحدها و حاول كسرها كالرجال العاملين في مجالات لطالما كرسها التنميط للمرأة , كتصميم الأزياء و الخياطة و الطبخ و العمل في المزينات وغيرها.

ربما سنحتاج للكثير من الوقت لنصل الي المرحلة التي نتخلص فيها من التنميط و نصبح قادرين على التخلي عن العديد من الصور النمطية المتغلغلة في ثقافة مجتمعنا الليبي , و لكن العمل على مجابهتها و التحدث عنها بشكل علني يجب ان لا يتوقف ,كما ان العمل على مستويات أخرى كتبني سياسيات على مستوى وطني تعمل على محاربة هذه الظاهرة في المناهج الدراسية و المدارس كمثال , أو ادراج مخالفات او عقوبات لردع من يستغلها في منع احد من التقدم لوظيفة او الحصول على فرصة عمل كمثال اخر , و العمل على وسائل الاعلام و معها ليس فقط للتخلص من ثقافة الاحكام المسبقة و استخدام محتوى اعلامي او درامي بعيد عن نشر الصور النمطية بل ايضا المساعدة في التخلص من هذه الصور واطلاق حملات لتسليط الضوء عليها التوعية بتأثيراتها السلبية .

###

فاطمة الزهراء قطيش – مديرة برامج في مؤسسة فريدريش ايبرت

هل ترغب بالمساهمة في هذه المدونة

شارك أفكارك مع فريقنا عبر البريد الإلكتروني

omar.sufan(at)fes.de

الرجوع إلى أعلى