11.01.2021

الانتقال الديمقراطي: في فهم محفزاته والبحث في سبل إدارته

من العناوين التي تكاد تكون ثابتة ومتطابقة في أزمنة الانتقال الديمقراطي على اختلاف الفضاء الجغرافي الحاضن لهذا الانتقال، ما يمكن تبويبه بتذبذب الساحة السياسية وفوضى التوازنات والخلافات.

فالطفرة الحزبية والتدفق المكثف للإيديولوجيا والقراءات السياسية التي تتأسس أحيانا على أرضية مفاهيم الهوية والتاريخ مضافا إلى ذلك الصراعات حول النمط المجتمعي والخيارات الاقتصادية وغيرها، كلها تعبر على "مطبات" مفاهمية وعوائق فكرية تتأصل داخل البني الذهنية للفاعل السياسي وتتمظهر في شكل صراعات لا تساهم سوى في إطالة عمر هذه الفترة وربما قد تصل إلى التخلي عن مكتسبات فترة الانتقال الديمقراطي والعودة إلى مربعات دولة الاستبداد ولو في جوانب خاصة واستثنائية.

لذلك كان لابد من الاهتمام بتفكيك نظري لمميزات وماهيات مرحلة الانتقال الديمقراطي حتى نفهم شروط وكيفيات إدارة هذه المرحلة لغاية ترتيب الأولويات وانتقاء استراتيجيات المرور من الانتقالي إلى الثابت أو الدائم.

مثلما تحتاج المنهجية العلمية الصارمة إلى التخصص المعرفي، فإن السياسة بوصفها علما تتطلب أيضا زادا مفاهيميا ومدونة نظرية تأخذ على عاتقها التفاعل مع الأحداث تفكيكا ونقدا وإعادة تركيب وفق نبض المتغيرات والضرورات.

عن شرط إدارة مرحلة الانتقال الديمقراطي، يتحدث دانكوارت رستو عن "عالم المرحلة الانتقالية" أو المختص فيدراسة المراحل الإنتقالية. يدرس هذا العالم المرحلة الانتقالية بوصفها حامل لميكانيزمات وآليات التأسيس لمرحلة مغايرة تماما لما قبلها ومفتوحة على احتمالات النكوص أو التقدم في اتجاه تأسيس دولة الحل السياسي الدائم. بالعودة إلى الشرط الرئيسي الذي تتطلبه إدارة هذه المرحلة، فإن رستو يطرح ما يسميه بـ"الوحدة الوطنية". هذه الوحدة هي التي تجمع بين مختلف ألوان الطيف السياسي المهتم والمتفاعل مع مرحلة الانتقال الديمقراطي والمنشغل بتأسيس قواعد سياسية واقتصادية جديدة لدولة ثارت أو انتفضت على حكامها.

ينشغل رستو بالتأكيد على أهمية الوحدة الوطنية كقاعدة انطلاق ومنصة للصراع الذي سوف يخوضه ممثلي هذه الوحدة مع مجموعة تمثل ولو رمزيا دولة ما قبل مرحلة الانتقال الديمقراطي.

بهذه الصورة يقلب رستو الأدوار بل وطبيعة الصراع. فالطفرة الحزبية مثلما قلنا سلفا والمميزة لبدايات مرحلة الانتقال الديمقراطي وما يرافقها من صراعات إيديولوجية على أرضية الهويات والخيارات السياسية لغاية التموقع والظفر بالسلطة، مما يساهم في هدر الطاقات وإضعاف إمكانات العقل الديمقراطي، تصبح كلها موجهة نحو صراع من نوع آخر مثلما قلنا، حيث ينطلق من تحالف استراتيجي بين مختلف الفاعلين السياسيين ضد الممثلين المفترضين للنظام السابق بمعناه السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

بهذه الصورة يتضح الشرط الرئيسي لإدارة مرحلة الانتقال الديمقراطي. أما عن الأسباب أو الممهدات للحراك الجماهيري، فسأركز على ثلاث مقاربات أعتبرها جامعة وملخصة لمجمل الإمكانات النظرية.

  1. نظرية الفاعلين السياسيين أو استراتيجيات النخب: من أهم منظري هذه المقاربة "دانكوارت رستو" و"موور". يركز هذا الثنائي على دور النخبة بمختلف تشكيلاتها وتمظهراتها، من حيث أنها الممثل الأكثر مشروعية في إدارة مرحلة الانتقال الديمقراطي. حيث أن النخبة بما هي نتاج للمجتمع تتولى في مرحلة من مراحل دورته التاريخية، العمل على تغيير "براديغمات" -أو النماذج الفكرية- اشتغال العقل الجمعي في علاقة بتفاعلاته مع المعطى الثقافي والسياسي والاجتماعي وغيره. تقوم هذه النخب برسم الاستراتيجيات وتصوغ التكتيكات التي ترسي دولة نقية قدر الإمكان من طفيليات التخلف الحضاري بمعانيه المتعددة. النخبة التي تنطلق من تفاعلات الواقع وتعمل على رصد مواطن الارتداد، منوط بعدتها تقديم الحل المناسب والعاجل لتناقضات المجتمع من خلال تعديل بوصلة الخيارات الثقافية والسياسية ومناهج التعاطي مع مشاكل البنى والتشكيلات المجتمعية المختلفة. هذه النخبة قد تتمظهر في رأينا في شكل الإنتلجنسيا التنويرية أو النخبة بالمعنى اللينيني أو المثقف العضوي بالمعنى الجرامشي أو المثقف المحترف بمفهوم إدوارد سعيد. المهم، أنها شريحة قائدة ليس بالمعنى التراتبي الهرمي ولكن بمعنى الانشغال بقضايا الشعوب.
  2. نظرية التحديث: يتحدث ليبست على التحديث بوصفه الجرعة القاتلة لفيروسات النكوص والتراجع التنموي بحيث يشتغل على تأثير التنمية على النظام السياسي وتتمظهر الديمقراطية كتتويج نهائي لعملية التحديث. هذا ما يسمى بالعامل الداخلي وتكون عملية التحديث بمثابة الإطار العام الذي يشتمل على فكرة الديمقراطية كنتيجة داخلية للتنمية الاقتصادية. بل يذهب "ليبست " إلى أبعد من ذلك إذ يعتبر أن وصول التنمية الاقتصادية إلى عتبة معينة هو السبب الرئيسي في سقوط الأنظمة الديكتاتورية اعتبار إلى عجز الديكتاتور على مجاراة عجلة التطور وافتقاده إلى خطة توزيع عائدات التنمية واستعمال هذه الطفرة في خلق توازنات سياسية واجتماعية جديدة. هذه التوازنات التي تتطلب خلق مجموعات جديدة سوف تدخل في تنافس وصراعات حادة من أجل التموقع حول دوائر القرار السياسي والبقاء على حافة الغنائم التي يوفرها الديكتاتور. وهذا ما سوف يحتم دخول هذه المجموعات في صراعات عميقة هي أشبه بصراع البقاء. يذكرنا هذا الطرح بالمقاربة التي يطرحها رالف داهندورف حول صراع المجموعات في جانب الصراع من أجل التفوق. بهذا الشكل يظهر التحديث التنموي كعامل دفع نحو تركيز الديمقراطية وضمان حاصل سلبي في معادلة الديكتاتورية والتسلط.
  3. النظرية الهيكلية/ البنيوية: تعتبر عالمة الاجتماع والسياسة الأمريكية تيدا سكوكبول من أنصار هذه المقاربة والتي تقوم على فكرة أن شرح الثورات الاجتماعية لابد أن تستند على البنى الاجتماعية أكثر منها على البنى النفسية والسيكولوجية التي تعلي من شأن المد الثوري وغيره. حيث أن الثورة الاجتماعية تعيش مرحلتين: الأولى مرحلة أزمة ومرحلة ثانية هي مرحلة بروز طبقة اجتماعية مهيمنة تستغل الحالة الثورية.

تعتمد سكوكبول على النظرية الماركسية في تبنيها لفكرة الصراع بين بنى المجتمع المختلفة بمعنى صراع الطبقات، ولكن في جانب آخر حيث يمكن للصراع أن يتخذ أشكالا متعددة وليست بالضرورة وفق المفهوم الماركسي للثورة والصراع الطبقي.

يذكرنا هذا الصراع بما يرسمه دانكوارت رستو في نقطة شرط الانتقال الديمقراطي عند حديثه على مرحلة الصراع التي تأتي مباشرة كغاية الوحدة الوطنية مثلما قلنا سلفا.

هذه المقاربات التي تلخص في جانب ما مجمل البحث الممكن عن قادحات أو محفزات مرحلة الانتقال الديمقراطي من جانب التعامل مع الأزمات وخلق الحلول العملية. لكننا مطالبون بالتفطن جيدا إلى الاختلافات العميقة التي تميز المجتمعات بل وحتى الثورات والانتفاضات في علاقة بطبيعتها وتوقيتها ومجالها ومطالبها.. وفي هذا الجانب يمكن أن نذكر بما أشار إليه إيريك هوبزباوم في كتابه (عصر الثورات) حيث يؤكد على ضرورة توفر أربعة عناصر أساسية لحظة حديثنا أو بسطنا لخصوصيات الثورات. هذه العناصر تتمثل في: الخصوصية من حيث الزمان والمكان حيث لا يوجد تطابق أو تشابه بين ثورتين. ثانيا النصر بمعنى انتصار منظومة جديدة على أخرى قديمة. ثم البعد الجغرافي للثورة وأخيرا التراكمية.

هذه بعض المفاهيم والمقاربات التي أردت من خلالها توضيح مرحلة الانتقال الديمقراطي في جانبها المتعلق بكيفيات وشروط هذا الزمن الخطير والمحدد (زمن فترة الانتقال الديمقراطي) وذلك لـتأسيس ثوابت بنيوية لدولة لا تريد النكوص والارتداد نحو زمن لازال ماثلا بأطيافه ومهددا للتجربة التي تطلب دفعها نحو الأمام: تجربة الدولة المدنية الديمقراطية.

###

محمد العياري/ كاتب من تونس

هل ترغب بالمساهمة في هذه المدونة

شارك أفكارك مع فريقنا عبر البريد الإلكتروني

omar.sufan(at)fes.de

الرجوع إلى أعلى